يؤكد خبير استراتيجي مخضرم (طبعا ليس على قياس «الدعائي» أمين حطيط) أن النظام السوري، ببثه فيلم «الإعترافات»، يكون قد أنهى خدمات تنظيم «فتح الإسلام»، بعدما عملت المخابرات العسكرية السورية على إنشائه بدء بحزيران 2005، من خلال استخدام الموقوفين الإسلاميين، الذين أُخرجوا من السجون، بعد تفاهم مع فرع فلسطين، بمراسيم عفو صادرة عن الرئيس السوري بشار الأسد.
ويشير هذا الخبير الى أنّ النظام السوري، وقبل أن يُقدم على خطوة «إنهاء عسكرية »هذا التنظيم الإرهابي أخفى «الرؤوس الكبيرة»،لأنها تملك أسرارا مهمة، ولذلك على سبيل المثال لا الحصر، وعلى الرغم من ثبوت وجود شاكر العبسي في سوريا، فإنه أُخفي، بطريقة أو بأخرى، لتطل في فيلم «الإعترافات »إبنته وفاء التي أثبتت من لبنان قابليتها للإستخدام، عندما ادّعت زورا بأن جثة مجهولة الهوية، تمّ عرضها عليها في مستشفى طرابلس الحكومي، بعد انتهاء معارك مخيم نهر البارد، تعود لوالدها.
ويقول هذا الخبير إنّ المجموعة التي تملك «ناصية الأسرار» لا تتعدى، عادة، أكثر من أربعة أو خمسة أشخاص، وقد تبيّن بأن أفرادها قد اختفوا بطريقة أو بأخرى. البعض قُتل بظروف غامضة، والبعض الآخر يمكن أن يكون قد اختفى عن الوجود بواسطة الأسيد أو الكلس.
وهو يؤكد في هذا السياق، أن جميع المطلعين على أسرار العمل المخابراتي في النظام السوري، كانوا يتوقعون إن يُنهي هذا النظام خدمات «فتح الإسلام»، لأن أسرار علاقة هذا التنظيم بالمخابرات السورية باتت بمتناول مجموعة من الدول العربية، من جهة أولى، ولأن الأجهزة الأمنية اللبنانية عموما وشعبة الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي خصوصا، باتت قادرة على كشف أي جريمة يُقدم هذا التنظيم على ارتكابها بسرعة قياسية، من خلال الإفادة من «بنك المعلومات» المتوافر لديها، وهذا ما تجلّى، على سبيل المثال لا الحصر، بعد تفجير الحافلة العسكرية في البحصاص، بمجرد توافر «رأس خيط».
ويلفت الإنتباه الى أن النظام السوري أراد استخدام إنهاء خدمات «فتح الإسلام» لمصلحته، فزنّره وفجّره بـ«تيار المستقبل» ليصيب من خلاله القوى المناوئة له في لبنان كما المملكة العربية السعودية التي ترفض التعامل معه، طالما أصرّ على مواصلة سلوكياته التدميرية في لبنان والعراق وفلسطين، بما يقوي المشروع الإيراني ويُضعف المناعة العربية.
إلا أن هذا الخبير يستدرك محذرا اللبنانيين من مغبة التطرف في تفسيرهم لقرار إنهاء خدمات «فتح الإسلام»، بإشارته الى أن التخلي عن هذا التنظيم، هو تخل، على طريقة المافيا، عن «عميل مكشوف»، وليس تخليا عن المسار الإرهابي، وذلك عملا بالقاعدة التي تؤكد أن «من شب على شيء شاب عليه».
ولكن ما هي الأدوات الجديدة التي يمكن أن يستخدمها النظام السوري؟
لا يستطيع الخبير أن يحددها منذ الآن، ولكنه يلفت الإنتباه الى الحراك الأمني غير الطبيعي في مخيم عين الحلوة وإلى إعادة تظهير «الصاعقة»، وهو تنظيم سوري يتستر بالكوفية الفلطسينية في مخيم البداوي، إشتهر كثيرا في دوره الرائد في إشعال الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975.
ويفيد بأن النظام السوري قد يكون حاليا، بعد التخلي عن «فتح الإسلام» بفعل مخاطر انكشافها، في طور تخيير السلطة اللبنانية، بين إعطائه ما يريد سياسيا في لبنان ليُقدّم لها استقرارا وبين استئناف سلوكياته الإرهابية، إن هي رفضت هذه المقايضة. ويشير هذا الخبير الى ان النظام السوري حدّد مطاليبه، فور انتهاء عرض فيلم «الإعترافات »،فهو يريد رأس شعبة الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي، وقطع كل علاقة بين الأجهزة الأمنية اللبنانية و«تيار المستقبل» وإخضاع علاقة التعاون الأمني بين لبنان والمملكة العربية السعودية للمصفاة السورية والدخول الأمني اللبناني على خط الإنتخابات النيابية المقبلة ليحول دون أن تجدد قوى الرابع عشر من آذار أكثريتها، عبر ضرب مفاتيح «تيار المستقبل» في الشمال والبقاع، لمصلحة القوى الخاضعة للسيطرة السورية.
ومن المتوقع، وفق دراسة تعود الى أشهر عدة، ان تشتد الحملة على «تيار المستقبل» على مسارين، الأول من خلال إعطاء خصومه على الساحة المسيحية عدة تسويق تُضعف القوى المتحالفة مع«المستقبل»، الأمر الذي بدأه «التيار الوطني الحر»، سواء برفع شعارات مسيحية داخل الحكومة أو باعتبار ما سماه «مسيحيو الحريري» مجرد مدافعين عن الإرهاب السني، أما المسار الثاني فيتجلى بإرباك قواعد «تيار المستقبل» وضخ ثقة إستثنائية بخصومه وبقدراتهم وبمستقبلهم.
وفي الذهن المخابراتي السوري، أن الحملة الراهنة على «تيار المستقبل» بإمكانها أن تستكمل «غزوة أيار»، على مستويات عدة، ولعل أكثرها إلحاحا هو توسيع الهوة بين المؤسسة العسكرية وبين القواعد السنية في لبنان.
ولكن هل يحقق هذا المخطط غاياته؟
وفق الخبير الإستراتيجي نفسه، أن فيلم «الإعترافات» لم يحقق غاياته، فالمناوئون لـ«تيار المستقبل» حاولوا تسويقه ولكن بخجل، لأنهم إقتنعوا قبل غيرهم بأنهم أمام عمل مخابراتي مفبرك وغير متقن، وتاليا فهم يريدون الإفادة من الإنطباع الذي يتركه أكثر من إرادة إستثماره مباشرة، في حين أن المؤيدين لقوى الرابع عشر من آذار، قاموا بردة فعل عكسية، فهم التقطوا، منذ اللحظة الأولى، البعد المخابراتي لهذا الفيلم المفبرك، فشاهدوه كأنه حلقة كوميدية من حلقات «غوار الطوشه »مطلقين تسمية «ابو عنتر»على «بطل »الفيلم الملقب بـ«ابو وليد»،وأظهروا تشددا حيال «السلوكيات المعتدلة »، الأمر الذي دفع قيادات الرابع عشر من آذار الى رفع سقف مواقفها في ظل التسبب بإرباك مضر للنظام السوري، سواء لدى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أم في وزارة الدفاع في اليرزة لدى قائد الجيش العماد جان قهوجي.
وطريقة التعاطي«العمياء»مع فيلم«الإعترافات» ولّد حالة من النقمة على حلفاء سوريا في لبنان، فقواعد «المستقبل» راقبت باستياء طريقة تعاطي إعلام «حزب الله» مع هذه المادة المفبركة، في حين أن القواعد المسيحية أدركت بشكل لا لبس فيه أن الحالة العونية أصبحت حالة سورية على مقياس اللحودية، في حين أن «تيار المستقبل» هو الحالة الإستقلالية عن سوريا. وليس من قبيل الصدفة أن تكون ردة الفعل الاولى على فيلم «الإعترافات» قد تمثلت في اجتياح قوى الرابع عشر من آذار للإنتخابات النقابية التي تلت عرضه كما للإنتخابات الطالبية، بحيث خسرت الحالة العونية مقالع محصنة ومغلقة، وهي لجأت في كليات بيروت في جامعة القديس يوسف الى قواعد «حزب الله» لتعوض عليها الخسائر الدراماتيكية في الوسط المسيحي، كما استعانت بالحياديين والمستقلين الذين «يرجمهم »عون ليلا ونهارا، وصبحا ومساء (قياسا على موقفه السلبي من الرئيس ميشال سليمان)، من أجل «الحد من الخسائر»، الأمر الذي لم يتوافر لها في الجامعات الموغلة في قلب جبل لبنان، فحصدت الحالة العونية، خسائر مدوية.
ولعل النظام السوري لم ينتبه الى أن تركيب الأفلام لم يعد ينفع في لبنان، ففيلم أحمد أبو عدس سبّب صدمة دامت يوما واحدا، ولكن الأمور عادت فورا الى نصابها، وفيلم هسام هسام تحوّل الى مادة كوميدية غنية في عروض «شانسونييه».
من هنا الى أين؟
درس السنوات الخمس السابقة يؤكد أن المخابرات السورية خاسرة ابدا في لبنان، فاغتيال الرئيس رفيق الحريري بأفق انتخابات العام 2005 أخرجها من لبنان وأنهى أكثريتها النيابية، وحاليا محاولة إغتيال «تيار المستقبل» في سيناريو مكرر، سوف يعزز المدى اللبناني ويسمح بتجديد الأكثرية في الإنتخابات النيابية المقبلة، ذلك أن الإستهداف المكشوف أمام الجميع، يدفع القواعد الشعبية الى وضع حد للمساءلة على أمور تفصيلية، والتقدم نحو صناديق الإقتراع، على أساس الموقف الوطني الكبير.
إلا أن الخبير الإستراتيجي ينبه الى حقيقة مفادها أن اللبنانيين لو رضوا بعد الرابع عشر من شباط 2005 بأن يدفنوا الرئيس الحريري ويكملوا حياتهم كأن شيئا لم يحدث، لكانت النتائج السيادية والإنتخابية قد اختلفت عن تلك التي بدأت تترجم نفسها في نيسان 2005، وتاليا فإن التعاطي مع محاولات الإغتيال المكررة لـ«تيار المستقبل» على قاعدة تسجيل الموقف فقط، من شأنه أن يُقدّم للمخابرات السورية مبتغاها، لذلك لا بد من استلهام «انتفاضة الإستقلال»، ليتمكن لبنان من أن يعيد الى «ثورة الأرز»، في انتخابات أيار المقبلة، بريقها.




















