في وتيرة متكررة نوعا ما، تنطلق كل عدة أسابيع مجموعة من المستوطنين المسلحين إلى "حملة عقابية" خاصة ضد إحدى القرى العربية المجاورة لهم. تتضمن هذه الحملة العقابية التأديبية عادة إطلاق نار في الهواء، تفجير الخزانات المائية، تخريب السيارات، تكسير الزجاج وأمورا أخرى، وهي ترمي إلى "تلقين سكان القرية درسا" بسبب عملية ما نفذها أحد أبنائها كما يعتقد المستوطنون. بالنسبة لهؤلاء، ورد في التوراة أن "العرب يفهمون فقط لغة القوة"، وأنه ينبغي الحرص على أداء هذه الفريضة، تماما مثل فريضتي حرمة السبت وحرمة أكل الخنزير.
إلا أن العرب الفلسطينيين في القرية المُهاجَمة، وبدل أن يفهموا لغة القوة فقط، يخرجون، مثل أي جماعة تتعرض للهجوم على وجه الأرض، للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم من المنتهكين الغزاة. لكن بما أنهم لا يمتلكون أسلحة، التي لا تُعطى بحسب أحكام السماء والأرض إلا لليهود على اختلاف أنواعهم، يرمون المنتهكين بالحجارة ويستخدمون العصي والصيحات، أو كما يطلق على ذلك في العبرية "يشاغبون". حينئذ، كما تقول وسائل الإعلام اليهودية التي لا تكون في المكان عادة، يتم استدعاء الجيش الإسرائيلي من أجل "التفريق بين الخصوم"، أي من أجل سحب المستوطنين المنتهكين إلى مستوطناتهم وإعادة النظام والهدوء إلى القرية التي تعرضت للهجوم.
إلى هنا، كل شيء جيد وجميل للوهلة الأولى، والجيش يستحق، كما يقال، كل الاحترام. لكن، كيف يُفسر أنه في كل مرة يحصل ذلك، كما في هذا الأسبوع، تكون نتيجة تدخل الجيش جريحين أو ثلاثة من الفلسطينيين، وأحيانا قتيل ما، فيما يعود المستوطنون دون أية إصابة إلى قواعدم بسلام، وأحيانا كثيرة بعد أن يوبخهم قائد المنطقة بصورة قاسية عبر التلويح بإصبعه لهم؟ لماذا لا يسمي الجيش والإعلام الإسرائيلي المهاجمين المسلحين باسمهم، أي "منتهكين"، فيما يطلقان على القرويين الذين يدافعون عن أنفسهم بالحجارة والعصي وصف "المشاغبين"؟ كيف يحصل أن شعرة من رؤوس المنتهكين المسلحين لم تمس في أية مرة، فيما المدافعين غير المسلحين عن أنفسهم يتعرضون دوما لإطلاق النار وللإصابات ويسقط منهم قتلى؟
الجواب واضح، إذ إن الصورة التي يتم ترويجها غير صحيحة. الجيش الإسرائيلي لا يُستدعى فعليا من أجل التفريق بين المستوطنين والفلسطينيين، وإنما للدفاع عن المستوطنين اليهود من العرب الفلسطينيين دون أية صلة بحقيقة من هو المعتدي أو المعتدى عليه، ومن هو المجرم والمرتكب ومن هو البريء أو المصاب. الجيش دائما، ودون أية علاقة بالوضع، يطلق النار على الفلسطينيين لأجل إصابتهم أو قتلهم، ولا يتعرض أبدا للمستوطنين الذين يهب لحمايتهم.
لماذا؟ لأن الجيش والمستوطنين واحد. الإثنان أذرعة، غير منفصلة حتى، لآلة الإحتلال والقمع التي تشغلها إسرائيل بحق الفلسطينيين. المحزن هو أن وسائل الإعلام الإسرائيلية بأجمعها تتعاون مع هذه الآلة عبر الطريقة التي تغطي بها الأحداث، وتتحول بذلك إلى ذراع للإحتلال والقمع.
قد يكون حان الوقت فعلا لأن تصف وسيلة إعلامية إسرائيلية واحدة على الأقل الأمور كما هي واقعا، وعوضا عن القول إن الجيش فرق بين الخصوم المتناحرين، تقول الحقيقة، أي أن "المستوطنين المسلحين غزوا بحماية الجيش قرية فلسطينية. وقد تكبد الفلسطينيون جريحين وقتيلا، وعاد المستوطنون والجيش إلى قواعدهم بسلام". لا تخافوا، الحقيقة لا تقتل.
("غلوبس" 13/5/2009)




















