سويمة (البحر الميت) – من عمر عساف:
يوم سياسي بامتياز، وساخن ايضاً، كان آخر ايام المنتدى الاقتصادي العالمي الذي اختتم امس في منتجع البحر الميت، طغت فيه القضية الفلسطينية وعملية السلام على معظم الجلسات، وخصوصاً مع مناكفات الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس، الذي سعى الى مواجهة هجمة السلام العربية خلال ايام المنتدى بمحاولة لفت الانتباه الى التفاصيل والى مسائل جانبية.
غير أن المشاركين في اعمال المنتدى، والمراقبين، خرجوا باقتناع ان محاولات بيريس، المشهور بمراوغاته، لم تحقق غايتها، وخصوصاً مع وجود جو عام في المنتدى مناوئ للسياسة الاسرائيلية الحالية، الى قوة الحضور العربي الذي قاده الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.
"مستقبل السلام"
المتحاورون والحاضرون في الندوة الحوارية التي عرضت لمستقبل السلام في الشرق الاوسط، خلصوا الى ان المطلوب هو فعل يقود الى نتائج ملموسة وخطة واضحة لمفاوضات شاملة والتزام للعمل توصلاً الى حل نهائي وفق قرارات الشرعية الدولية، وسط جدل شهدته الجلسة في شأن الخيار الثاني والارجح امام الدول العربية، وهو "دولة واحدة ديموقراطية تضم المسلمين والمسيحيين واليهود يتمتعون فيها بحقوق متساوية".
وضمت الجلسة موسى ورئيس الوزراء الاردني نادر الذهبي ونظيره الفلسطيني المكلف سلام فياض ونائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي والمبعوث الروسي الى الشرق الاوسط الكسندر سلطانوف وعضو الكونغرس الاميركي برايم بيرد، وادارتها الاعلامية راغدة درغام.
ودار الحوار حول "ماذا يطلب المشاركون في الحوار من الرئيس الاميركي اوباما في ما يتعلق بالشرق الاوسط"، في محاولة للربط مع اللقاء المقرر اليوم بين الأخير ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما احتدم النقاش في الجلسة في شأن الخطر النووي في الشرق الاوسط. والتقى المتحاورون على ان المنطقة ظمأى الى سلام حقيقي وشامل وستستمر في هذا العطش ما لم يعلن الشريك الاسرائيلي جدياً انخراطه في العملية السلمية وتجميد مسلسل الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، معتبرينه شرطاً مسبقاً لأي مفاوضات مستقبلاً مع الحكومة الاسرائيلية الحالية.
موسى
واطلق موسى تصريحات قوية ضد اسرائيل، حملت، الى اتهامها بعدم الجدية في السعي الى السلام، تهديدا واضحا وصريحا بالتصعيد عربيا ضدها ولفت الى حضور خيار "دعم المقاومة الفلسطينية ما لم يحصل سلام حقيقي".
وهو سعى الى احباط محاولة الاسرائيليين توجيه الانظار الى الخطر النووي الايراني، اذ شدد على ان مصلحة الدول العربية وامنها لا تكمن في نزع الخطر الايراني "وجعل سكان منطقة الشرق الاوسط مكشوفين امام اخطار سلاح اسرائيل النووي". وبينما لفت الى ان تقارير وكالة الطاقة الذرية تشير الى خلو ايران من الاسلحة النووية، اكد ان الحديث عن شرق اوسط خال من السلاح النووي "لا بد ان يشمل اسرائيل". واضاف باللهجة المصرية: "مش قادر افهم ازاي نطلب من ايران التخلي عن برنامجها النووي ونترك اسرائيل زي ما هي عايزة".
وركز على حيوية المبادرة العربية للسلام، التي تقوم على مبدأ حل الدولتين ضمن اطار الحل الشمال، الذي يقيم دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على الحياة، واقترح حلول السلام الشامل مع سوريا ولبنان، ويوفر لاسرائيل امنا حقيقيا وتطبيعا واسعا مع 57 دولة عربية واسلامية.
لكنه في الوقت عينه شدد على ان الاجتماع مع نتنياهو لن يتم من دون وقف الاستيطان الذي يستهدف تغيير ديموغرافية الارض وجغرافيتها، وتفكيك المستوطنات وتأكيده قبول حل الدولتين. ورفض موسى محاولة بيريس ونتنياهو التركيز على البعد الاقتصادي، ورأى فيها التفافا على استحقاقات السلام.
ولم يبتعد الذهبي، وفياض عن تصريحات موسى، فالاول ردد الموقف الاردني الذي اعلنه العاهل الاردني عبدالله الثاني بن الحسين في تصريحاته الاخيرة، وخلال لقائه نتنياهو الخميس الماضي، واوباما الشهر الماضي.
"كلفة الصراع"
لم يتوقف الحضور العربي عند هذه الجلسة، وانما امتد الى اخرى دارت حول "كلفة الصراع" في المنطقة.
في هذه الندوة تحدث فلسطينيون واسرائيليون عن افق السلام وكلفة الحروب التي تعصف في المنطقة منذ ستة عقود.
واحتدم السجال بين الحضور في شأن اولوية الاقتصاد او التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.
وشكا المستثمر الفلسطيني في نابلس منيب المصري من "انه يركض وراء سراب السلام منذ ثلاثين سنة، انه عاد الى الاراضي الفلسطينية مع اتفاقات اوسلو عام 1993". وقال: "كنت غبيا لأنني ساندت اوسلو. في السنوات الثلاثين الاخيرة ساندت السلام حقا وتمنيته. وقلت لأبنائي ان السلام آت حتى انهم فقدوا الامل وهم يتهمونني الآن بالكذب".
اما كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، فرفض تحويل المشكلة الى "ايران": وقال: "الخطر الحقيقي غياب السلام. ايران دولة اقليمية قد نختلف معها وقد نتفق لكنها ليست المشكلة. نريد منها اضافة دولة فلسطين الى الخريطة لا ان تحاول شطب اخرى، لذلك يجب ان يعمل الجميع على التلاقي".
وابرز اهمية القمة الاميركية – الاسرائيلية اليوم، معتبرا ان "الكرة الآن في ملعب الرئيس الاميركي".
بيريس
ولم يعجب بيريس ما دار في المنتدى من حوارات لم تكن لتصب في مصلحة الدولة العبرية.
وهو حاول خلال لقائه الملك عبدالله الثاني على هامش المنتدى، التركيز على عرض تصوراته للتنمية الاقتصادية الاقليمية لدعم عملية السلام، الا ان العاهل الاردني حاصره بالتركيز على "اهمية التحرك بشكل سريع لاطلاق مفاوضات تؤدي الى حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي على اساس حل الدولتين وفي سياق اقليمي يضمن تحقيق السلام الشامل، وفق المرجعيات المعتمدة وخصوصا مبادرة السلام العربية"، كما جاء في بيان للديوان الملكي عقب اللقاء.
ورأى الملك، في حديثه مع بيريس، ان التقدم نحو حل الدولتين "يتطلب وضوحا وصراحة من حيث الاسس التي يجب ان يقوم عليها السلام ويضمن ديمومته".
وحراجة موقف بيريس، وخصوصا بعد تصريحات موسى وعريقات وفياض، جعلته يعقد مؤتمرا صحافيا جاوز عدد رجال الامن الحاضرين فيه الصحافيين، خوفا من أن يقذفه "منتظر زيدي" آخر بحذاء، وتغيب عنه الصحافيون الاردنيون وعدد من العرب.
وعندما سئل عن موقف موسى، اجاب: "احيل موسى على الرئيس المصري حسني مبارك الذي تحدث عن التهديد الايراني وعلاقته بحماس".
وفي ما اعتبره الصحافيون ومراقبون التفافا على ما اسمعه اياه الملك، وما دار في جلسات المنتدى من ادانات لاسرائيل ومطالبات صريحة لها بالانخراط الجدي في العملية السلمية، دعا بيريس الرئيس السوري بشار الاسد الى دخول مفاوضات مباشرة مع اسرائيل من دون وسطاء. واكد استعداد بلاده للسلام مع الفلسطينيين، لكنه طالب بالتفاوض في شأن مبادرة السلام العربية، وخصوصا البند المتعلق بتسوية قضية اللاجئين.
وقال ردا على سؤال: "اذا كان الاسد يريد سلاما فلماذا يخجل من ذلك؟ لقد طلبنا منه مرارا التفاوض مباشرة فلماذا يخجل؟ نقترح ان يجلس مع رئيس وزرائنا ويبدأ الكلام، فما المانع؟". وتساءل: "لماذا يريد الاسد وسطاء جددا؟".
ودافع عن الحرب الاخيرة على غزة قائلا: "الآن اريد القول ان ضربتنا كان يجب ان تكون قوية لوقف اطلاق الصواريخ، ولكن ليس بالقوة الكافية لهزم غزة مع اننا نستطيع ذلك. تماما كما فعلنا مع حزب الله في جنوب لبنان".
وطالب بتعديل مبادرة السلام العربية منتقدا رفض العرب التفاوض في شأنها وقال: "قال العرب لسنا جاهزين للتفاوض وعليكم ان تأخذوها حرفا بحرف… ولكن في المبادرة بند عن اللاجئين يجب التوصل الى حل عادل ومتفق عليه، وحتى نتفق يجب ان نتفاوض".




















