الحق في التنقل :
لحق في التنقل هو شرط من شروط الحياة الحرة, و هو من الحقوق التي لا يجوز التصرف بها أو التنازل عنها. فحرية التنقل هي جزء من حريات الفرد الأساسية و من الحقوق الشخصية أيضا باعتبار أن وجودها لازماً لوجود وقيام الحقوق والحريات الأخرى مما جعلها بامتياز واحدة من الحقوق الأساسية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان و التي هي الأساس الأخلاقي و القانوني للحرية و العدالة و المساواة في العالم. حيث كل الأشخاص لديهم الحق بالكرامة الإنسانية و المساواة منذ الميلاد .
و تتجسد هذه الحرية بالأساس، في حق الإنسان في التنقل بشكل حر، دون التعرض للاعتقال أو السجن أو التسليم لدولة أجنبية أو أي تقييد أخر لحريته في التنقل. و تتضمن حرية التنقل في داخلها أيضا الحق في مغادرة الدولة والدخول إليها، وكذلك حرية التنقل داخل نطاق الدولة واختيار مكان السكن فيها. وهذا يعني أن حق الأفراد في التنقل والسفر ومغادرة بلدهم والعودة إليه، ليس منحة أو امتيازا من الحكومات بل هو حق أساسي يرتبط وجوده بوجود الإنسان ذاته بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. حيث يتوجب على القوانين أن تكفل هذا الحق وتحميه، وعلى الدولة أن تعمل على احترام وتعزيز ذلك الحق دائما وبكل الطرق الممكنة حيث يُمنع احتجاز الأشخاص في الدولة خلافا لرغبتهم الحرة و المستقلة.
و على الرغم من أن الحق في التنقل يبدو من الخارج كأنه حق إنساني عادي أو بسيط و واضح, فانه بالحقيقة أحد أهم الحقوق الأساسية التي إذا تم الاعتداء عليها فسيؤدي ذلك إلى العديد من المشاكل و يسبب ذلك الكثير من المعاناة ترتد انعكاساته و تتداخل لتؤثر بشكل بنيوي في إمكانية النفاذ إلى باقي الحقوق الأساسية, فبدون احترام الحق في مغادرة البلد, قد يتعرض الفرد للاضطهاد السياسي أو الديني, أو يحرمه ذلك من الحياة العائلية, أو يمنعه من العمل أو التعلم أو الحصول على العلاج , مما يؤثر سلبا على نوعية حياته.
فحرية التنقل هي واحدة من عوامل التنمية الأساسية
و جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948 مكثفا لهذا الفهم الذي أنتجته الحضارة الإنسانية في نضالها الطويل من أجل التقدم و الازدهار لينص صراحة على هذا الحق في المادة 13 منه و التي جاء فيها:
( 1 ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.
( 2 ) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.
و تم في العام 1966نقل هذا الحق من مجرد إطار أخلاقي كما جاء في الإعلان و إعطاؤه بعدا قانونيا ملزما عندما أفردت له المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية المادة 12 منها و التي جاء فيها:
لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.
لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.
لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد.
لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده.
و قد يتعرض الحق في التنقل لبعض القيود كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة 12في المعاهدة إلا أن ذلك يتم في حالات استثنائية ضيقة كحالات الطوارئ حيث تتعرض الدولة لأخطار حقيقية و مباشرة كالكوارث الطبيعية و أيضا تستطيع سلطات الأمن الإعلان عن منطقة ما بأنها منطقة عسكرية مغلقة إذا تطلب الأمر ذلك من منطلقات أمنية موضوعية . لكن القيود المفروضة يجب أن تكون في أضيق نطاق وتتناسب مع النتائج المرجو تحقيقها ودرء الخطر المحدق، كما وأنها يجب أن تتحدد بفترة زمنية ضمن إطار قانوني ، لا أن يتخذ من الظرف الاستثنائي ذريعة لتقييد الحق في حرية تنقل المواطنين حيث يصبح تقييدا مزمنا لا يزول بزوال الخطر.
وأكد على هذه الضوابط التعليق العام رقم 27 الصادر عن اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية في الأمم المتحدة، وهي الجهة المكلفة بالإشراف على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ( ليس لأية حدودٍ على حرية الانتقال أن تقلب العلاقة بين الحق والقيد، أو بين القاعدة والاستثناء( .
الحق في التنقل في الدستور و القانون السوري :
– رسخ دستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973 – في الإطار العام – مبادئ الحريات العامة و الشخصية فجاء فصله الرابع خاص للحديث عن " الحريات والحقوق والواجبات العامة " و الذي نصت الفقرة الأولى من المادة 25فيه على أن:
( الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم )
إلا أن الدستور السوري و إن كان قد نص صراحة على حرية التنقل داخل أراضي الدولة و كذلك أكد على عدم جواز إبعاد المواطنين عن أراضي الوطن قسرا إلا انه أغفل الإشارة إلى حرية التنقل إلى خارج الدولة أي السفر إلى خارج الدولة و كذلك العودة إليها فقد جاء في المادة الثالثة والثلاثون منه:
1- لا يجوز إبعاد المواطن عن أرض الوطن.
2- لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة إلا إذا منع من ذلك بحكم قضائي أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة.
و إن كان الدستور السوري قد اغفل هذا الجانب من الحق في التنقل أي السفر إلى خارج الدولة و العودة إليها إلا أن هذا الحق يبقى جزء من الحقوق الأساسية للإنسان التي لا يجوز بأي شكل من الأشكال الانتقاص منها و هو يعتبر مضمنا حكما في عبارة ( الحرية حق مقدس ) التي جاءت في المادة 25 من الدستور و كذلك فان الأصل في الأشياء الإباحة و الدستور السوري لم يأت على ذكر أي شيء يؤدي إلى الانتقاص من هذا الجانب من الحق في التنقل, ناهيك عن أن الدولة السورية و انضمت إلى المعاهدة الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية بالمرسوم / 6 / تاريخ 6/2/1969
– قانون العقوبات العام السوري, لم يرد فيه المنع من السفر كعقوبة أصلية أو فرعية أو إضافية سواء كانت الجريمة ذات صفة جنائية أو جنحية و بناء عليه إن استخدم المنع من السفر كعقوبة في أي جرم كان هو مخالفة دستورية صارخة. و ذلك بالاستناد إلى المادة التاسعة والعشرون من الدستور السوري التي تنص على أن: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.
– و كذلك لم يرد المنع من السفر كتدبير احترازي أو إصلاحي في قانون العقوبات العام السوري. إلا أن الاجتهاد القانوني – و بعض القوانين السورية الخاصة – قد استخدام المنع من السفر إلى خارج البلاد كتدبير وقائي في حالات معينة و محددة و ذلك ضمانا لحقوق أخرى يخشى أن يتم هدرها في حال سمح لشخص ما مغادرة البلد قبل أداء هذه الحقوق. و لابد لذلك من صدور أمر من المحكمة فمن صلاحية المحكمة، وذلك بواسطة إصدار قرار قضائي ينص صراحة على مدة المنع من السفر إلى خارج من البلد و ذلك في الحالات التالية:
– المشتبه بهم بجرائم جنائية وذلك لمنع هروبهم وضمان مثولهم أمام الشرطة لمواصلة التحقيق
– المتهمون بجرائم جنائية و ذلك بهدف ضمان مثولهم أمام المحكمة (و لتنفيذ العقوبة في حال تمت إدانتهم)
– المحكومون ( ماليا ) بهدف ضمان تسديد الدين أو تنفيذ قرار الحكم و منهم الزوج المحكوم بنفقة لزوجته و أولاده.
و يحق للمحكمة أن تمنع خروج شخص من البلاد فقط في هذه حالات محددة و فقط في حال لم تتوفر طريقة أخرى لتحقيق الهدف ذاته. و في حال المنع ضمانا لحقوق مالية يجب أن يكون هناك طلب خطي من صاحب الحق يقدم للمحكمة حسب الأصول.
التتمة تجدونها في الملف المرفق (كامل التقرير)




















