زياد حيدر – دمشق
أعلن مسؤول مكتب الإعداد والثقافة والإعلام في حزب البعث هيثم سطايحي لصحيفة السفير اللبنانية أمس، أن الحزب يعمل على إعادة صياغة علاقته بالسلطة بحيث تصبح أقل تركيزاً على التفاصيل وتعنى بالإشراف والرقابة، مع تعزيز قدرته على الحكم.
ويأتي هذا الكلام فيما تعمل قيادات الحزب، قبل مؤتمره القطري المقبل العام 2010، على إعادة رسم المنطلقات النظرية للحزب والتي تتمثل في أهدافه: الوحدة والحرية الاشتراكية.
ويقول سطايحي، عضو القيادة القطرية للحزب ومسؤول مكتب الإعداد والثقافة والإعلام، إن الأهداف لن تتغير، وإنما ستصبح أكثر واقعية، بحيث يصبح العمل من أجل الوحدة تدريجياً، عبر التركيز على تحقيق التضامن العربي والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية، فيما يصبح مفهوم الاشتراكية عنواناً لتطبيق مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يعني بالدرجة الأولى، من وجهة نظر الحزب، تحقيق العدالة الاجتماعية خصوصاً لشرائح المجتمع التي تأسس الحزب عليها، وهي الفلاحون والعمال وصغار الكسبة.
ويوضح سطايحي، أن تطوير المنطلقات النظرية للحزب طرحت قبل انعقاد المؤتمر القطري العاشر في العام 2005، إلا أن القيادة الحزبية تحفظت على الدراسات التي قدمت حينها، وجرى استكمال النقاش لاحقاً حول هذه المنطلقات، والذي استند لفكرة «تطوير مفاهيم الوحدة والحرية والاشتراكية بما ينسجم والتطورات الجارية على المستويات المختلفة، سواء على المستوى الداخلي، عبر التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت، أو التطورات العالمية، أو تجارب الأحزاب والقوى السياسية المختلفة».
ويضيف سطايحي أنه حين يتم الحديث عن الوحدة على سبيل المثال، وهي احد الأعمدة الثلاثة لشعار الحزب التاريخي (وحدة حرية اشتراكية) فإن الهدف هو «إعادة تأسيس مفهومك للوحدة العربية، بمعنى أن تنزع الطابع الرومانسي أو العاطفي عنها». ويوضح أن الوحدة «ستبقى هدفاً». ولكن ليس برومانسية العام 1963، مضيفاً «الآن نركز على التضامن والتكامل الاقتصادي العربي، وحتى النظر للدولة القطرية سابقاً كنا نعتبره أمراً مصطنعاً، والآن نعتبر أنه في العمل الوحدوي لا يجوز تجاوز الدور القطري، ونبرز أهمية العامل الديموقراطي، أي أن الوحدة خيار ديموقراطي وتدرجي، والوحدة السياسية هي ختام مسيرة طويلة».
ويبين سطايحي، رداً على سؤال عما إذا كان الشعار هنا يتخطى بحدود واسعة السعي الجديد لتطبيقه، أن «الشعار أو الهدف هو خاتمة مطاف الوحدة، حتى لو حكيت عن الاتحاد أو التنسيق أو التكامل العربي المشترك، أي صيغة من هذه الصيغ هي عبارة عن عملية تنتهي بالوصول إلى هذا الهدف أو هذا الشعار».
ويشرح أكثر حين التطرق لمفهوم الاشتراكية التي يقول إنها خضعت لنقاش أعمق في كوادر الحزب من غيرها من الشعارات، حيث تمّ الاتفاق في المؤتمر القطري العاشر على اعتماد مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي. ويقول إن «فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي لا تتعارض مع مفهوم الاشتراكية، لأن اقتصاد السوق لا يعني أنه مخالف للاشتراكية». ويؤكد، في هذا السياق، أن «أهم شيء بالنسبة لنا هو تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان مصالح الجماهير الشعبية التي نسميها حزبياً الجماهير الكادحة، وهي فئات العمال والفلاحين وصغار الكسبة». ويوضح ما يعنيه الحزب بذلك وهو «الغطاء الاجتماعي للناس كمجانية التعليم والصحة وأن تكفل (الدولة) الشرائح المستضعفة في المجتمع وتشجع الإنفاق العام ونظام ضريبي أكثر عدالة لا يحابي الأغنياء».
ويضيف سطايحي أن الأمر الآخر الخاضع للنقاش حالياً في اجتماعات الحزب هو العمل على إقرار «الصيغة الأفضل لعلاقة الحزب بالسلطة»، ويعني بذلك «أن لا يغرق (الحزب) في تفاصيل العمل اليومي والإداري، وأن تكون مسؤوليته رسم التوجهات العامة والرقابة على المؤسسات»، وهو أمر خاضع للنقاش منذ المؤتمر القطري السابق، لكن «المحك في التطبيق»، باعتبار أن الحزب يرغب في الابتعاد عن تفاصيل الحياة اليومية لعمل الدولة إلى الإشراف والرقابة، ولكن من دون أن يعني ذلك الفصل بين السلطتين. على العكس «نحن نتجه أكثر فأكثر نحو زج الحزب أكثر فأكثر في العمل التنفيذي، لكي يصبح قائداً للدولة والمجتمع ».
ولكن ألا يعني هذا الغرق في التفاصيل؟ فيجيب بالنفي، معتبراً أن هذا يعني «أن لا تغرق المؤسسة الحزبية باعتبارها مؤسسة حزبية في قضايا العمل الإجرائي كقيادة قطرية، أو قيادة فرع، أو فرقة. أي أن لا تغرق قيادة شعبة (حزبية) في مدينة بالعمل التنفيذي في مجال عمل البلدية، لكن بالتأكيد هي التي تقود العمل السياسي في المدينة». ويوضح أنه من الطبيعي للمسؤولين في القيادتين الحزبية والحكومية أن يقوموا بالعمل التنفيذي و«لكن المؤسسة الحزبية لا تغرق في التفاصيل، ويكون دورها كما حددتها قرارات الحزب كمؤتمرات أو قيادات مهمة الرقابة والإشراف والتوجيه والمحاسبة».
ويؤكد سطايحي على بقاء مبدأ قيادة الحزب للدولة والمجتمع في هذا السياق، وهو ما يعني أنه حتى في حال وجود قانون أحزاب (وهو أمر معلق حالياً) فإن علاقة الحزب بالناس والمؤسسات ستبقى كما هي.
ويأتي هنا الكلام تعقيباً على سؤال عما إذا كان ثمة أي توجه لتعديل المناهج التربوية في سوريا التي تتضمّن فكر الحزب. ويقول المسؤول الحزبي إن المناهج الحالية «ليست مرتبطة بفكر الحزب فقط، وإنما بالفكر القومي الذي هو فلسفة عامة. طالما الحزب متمسك بقيادته للدولة والمجتمع وليس فقط للدولة، ومن موقع قيادته للمجتمع فإن الشيء الطبيعي أن الكثير من الأفكار التي ينادي بها، أن يعمل على نشرها وإشاعتها في المجتمع وتنشئة الأجيال عليها».
وإذ يكشف أن ثمة مشروعاً في وزارة التربية لتطوير المناهج إلا أن هذا لا يعني التخلي عن هذا النهج الذي يكرس النظر إلى التاريخ العربي من خلفية قومية استناداً لقيم المواطنة والعلمانية.
وفي هذا السياق، نسأل عما إذا كان سيطرأ أي تعديل على القيادة القومية للحزب، وهي أعلى مؤسسة حزبية، وكانت تعنى بانتشار حزب البعث في العالم العربي، فيؤكد سطايحي أن ثمة أفكاراً يتم تداولها لتحقيق «صيغة تحقق فعالية للعمل القومي، وفي الوقت ذاته تراعي واقع الأقطار العربية وظروفها»، ولكن ليشدد على أنه ليس ثمة اتجاه لإلغائها كما سبق وأشيع، إذ ستبقى هناك «هيئة معنية بالعمل القومي» في سوريا.
" السفير"




















