تجارب كوريا الشمالية، النووية والصاروخية؛ خطفت الأضواء والاهتمام، ليس لخطورتها فحسب. بل أيضاً لأن تداعياتها مفتوحة على تصعيد، قد يخرج عن السيطرة. الأجواء مشحونة كفاية.
حركة الفعل وردود الفعل، أخذت طابع التحدّي. دخول مجلس الأمن على الخط، لم يفلح في تبريد الأزمة. إذا كانت التجارب لتحسين الشروط، فلهذه اللعبة حدود. بل لابدّ وأن يكون لها ضوابط.
الرقص بالنووي على حافة الهاوية، مجازفة غير مأمونة. ثمة حاجة لفسحة، تسمح بالتقاط الأنفاس. البداية تكون في تخفيف حدّة الخطاب المتبادل. خاصة بين بيونغ يانغ وواشنطن.
التلويح ب«ثمن»، والرد على ذلك بلغة «الصدّ» الذي يؤدّي إلى «الكارثة بعينها»؛ كلها مفردات لا تحتملها لحظة ملتهبة، كالتي فجّرها التفجير. كما لا تحتمل التوتر الذي نجم عنها، في المسرح الإقليمي. خاصة بين الكوريتين، وما قد يقود إليه من شبه حصار بحري؛ حذّرت كوريا الشمالية بالتعامل معه، لو حصل، على أنه «إعلان حرب».
الخشية في مثل هذه الحالات، من وقوع خطأ في الحسابات. وحتى لا يقع ذلك، مطلوب الرجوع خطوة إلى الوراء والبحث عن مخرج متوازن. هناك أمر واقع على الأرض. طبعاً كان من المرغوب والمطلوب، عدم فتح باب التجارب النووية؛ من جديد. فهذا يشجع على جعل المخالفة، قاعدة. والعالم بغنى عن انفلات حبل المنع، كما عن توسيع دائرة الانتشار. لكن المخالفة، في هذا الحقل، سابقة للتفجير الكوري ولا تقتصر عليه.
واشنطن التي تتصدر الحملة الآن على بيونغ يانغ، تحت شعار «حظر الانتشار النووي»؛ سجلّها حافل بسياسة الكيل بمكيالين، بخصوص الملف النووي العام. المظلة الواقية التي رفعتها من زمان، فوق الترسانة النووية الإسرائيلية لحمايتها حتى من مجرد الإشارة إليها بالإصبع؛ هي شهادة فاضحة على فقدانها للصدقية.
واشنطن لا تأتي حتى على ذكر هذه الترسانة. وكأنها غير موجودة. أو كأن سلاح الدمار الشامل هذا، يجوز وجوده بيد إسرائيل؛ باعتبارها تؤتمن عليه! لما بلغته من «رقي»، رأينا نموذجاً عنه في مجزرتها الوحشية الأخيرة في غزة.
وواشنطن سكتت أيضاً على مشاريع نووية أخرى وتركتها تمرّ من دون ضجّة ـ الهند وباكستان ـ، لحسابات واعتبارات، سياسية واستراتيجية، خاصة بها.
التفجير الكوري الأخير لا يصبّ في مجرى الاستقرار والأمن الدوليين. الأجدى، الآن، التقليل من أضراره؛ وليس تأزيمه. وهذه مسؤولية الأطراف بقدر ما هي مسؤولية دولية. لكن تبقى العبرة، أن الملف النووي بات يحتاج إلى البدء في معالجته بصورة جذرية؛ تقوم على نسف الامتيازات فيه. بخلافه أزمة اليوم محكومة بالتكرار إلى ما لا نهاية.




















