بقلم جهاد الزين
إذا لم تُظهر حكومة الولايات المتحدة الاميركية – ايا تكن – قدرتها على إجبار الحكومة الاسرائيلية الحالية على تغيير وجهتها الرافضة فعلا لحل نهائي مع الفلسطينيين، وهذه قدرة مشكوك عميقا فيها، فسنكون هذه المرة ليس فقط امام تعثر جديد في عملية السلام بل امام انهيار كامل لجهود جيل بكامله منذ ما بعد 1967 توصل الى مفهوم "حل الدولتين".
انه جيل يجد نفسه امام خطر ضياع حصيلة عمره السياسية في الصراع العربي – الاسرائيلي، وبصورة خاصة الجيل الفلسطيني الذي نجح في تحويل هذا الخيار – حل الدولتين – الى خيار اكثرية النخب والحكومات والشعوب العربية، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني، في حين ان "الجناح" الاسرائيلي من هذا الجيل الممتدة حياته السياسية بين 1967 و2009، لم يشكل عمليا في يوم اكثرية في المجتمع الاسرائيلي، وإن كان شهد انخراط شخصيات ومجموعات اسرائيلية كبيرة في خيار القبول بدولة فلسطينية اهمها رئيس الوزراء اسحق رابين الذي اغتيل بسبب هذا التوجه – انطلاقا من اتفاق اوسلو – تحديدا.
فحوى ما اصبح يُعرف بـ"حل الدولتين" على الضفة العربية – الفلسطينية هو قبول "العرب" بالاكتفاء بما بين 20 الى 22 في المئة من ارض فلسطين التاريخية هي الضفة الغربية على "خطها الاخضر" الذي نشأ بعد حرب 1948 وقطاع غزة وطبعا القدس الشرقية التي تضم القدس القديمة.
قادت هذا التحول، بل اسسته "المدرسة" السياسية الفلسطينية التي ولدت نواتها في الستينات مع حركة "فتح" وتحولت الى القوة المسيطرة على الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل والشتات بعد العام 1967.
غير حرب اكتوبر – تشرين عام 1973 كلف صعود هذه "المدرسة" وشعارها التمهيدي: "اقامة دولة على اي شبر يجري تحريره" وغير تضحيات هائلة متواصلة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع منذ الاحتلال عام 1967، كلف هذا "الصعود" ايضا تدمير بلدين عربيين هما الاردن بين 1968 و1970 ولبنان بين 1975 و1990… ولربما امكن – في هذا السياق – اضافة تدمير الكويت التي كانت تجربتها الوخيمة مع صدام حسين بدون ادنى شك حافزا حيويا في تعزيز انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991. الأهم أنها شكّلت حافزا في "ولادة المفاوض الفلسطيني" باعتراف اميركي – اسرائيلي نتج عن تبني ادارة جورج بوش الاب ووزير خارجيته جيمس بايكر لضرورة "تعويض" العرب بعد الهجوم على العراق بحل فلسطيني يُظهر "الغرب" "متوازنا" في تطبيق القرارات الدولية!
مع ثنائية نتنياهو – ليبرمان اليوم يواجه مشروع "حل الدولتين" الذي حظي بموافقة "قمة بيروت" عام 1992 خطر انهيار كل هذه الجهود التأسيسية منذ 1967 واعادتنا الى منطق وانقسامات 1948، اي الى الصفر.
من هنا الاختبار النوعي الذي سيشهده العالم برمته في الاشهر المقبلة على صعيد العلاقات الاميركية – الاسرائيلية.
خصوصية هذه العلاقات ومدى متانتها الاستراتيجية يتجاوزان اي اختبار يمكن ان يطال التزام واشنطن بالامن الاسرائيلي بالمعنى… المطلق.
لكن في تاريخ هذه العلاقات محطتان كبيرتان استثنائيتان من حيث ظهور تناقض كبير ولكن تكتيكي في المواقف بين واشنطن وتل ابيب. ورغم الكلام الكثير عنهما لم يُدرسا بعد بالشكل الكافي من الباحثين العرب.
المحطة الاولى كانت عام 1956 عندما ارغم الانذار الاميركي الحكومة الاسرائيلية على سحب الجيش الاسرائيلي من شبه صحراء سيناء بعدما تمكن من احتلالها للمرة الاولى بالتعاون مع باريس ولندن في ما عُرف يومها بـالعدوان الثلاثي على مصر. واذا كان لا ينبغي تجاهل اهمية الانذار السوفياتي ايضا في الاتجاه نفسه فلا شك وفقا لمعايير تلك المرحلة ان العنصر الحاسم في الانسحاب الاسرائيلي كان القرار الاميركي في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور.
المحطة الثانية كانت في الواقع، وعبر ظروف وآليات مختلفة، عام 1991 عندما قررت الولايات المتحدة – عبر ادارة الرئيس بوش الاب – ما اسماه في مذكراته المشرف الفعلي على تلك العملية السياسية يومها وزير خارجيته جيمس بايكر "خلق المفاوض الفلسطيني". كانت العملية تقضي عبر صدام سياسي معلن بين بوش الاب واسحق شامير كرئيس لوزراء اسرائيل اولا تأمين موافقة اسرائيل على وفد اردني فلسطيني مشترك الى مؤتمر مدريد، يوافق الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على اسماء الجانب الفلسطيني فيه. عارض شامير بداية، ثم كبرت معارضته عندما تحولت الخطة الاميركية الى مرحلتها الثانية وهي استقلال الوفد الفلسطيني عن الوفد الاردني الى ان رضخت الحكومة الاسرائيلية وقبلت بمفاوضات ثنائية اسرائيلية – فلسطينية في اطار صيغة مؤتمر مدريد. كانت اجتماعات اوسلو السرية الوجه الآخر الذي بلور مضمون التسوية، فيما كانت اللقاءات الثنائية المعلنة في واشنطن تبلور الوجه الشكلي (وهو جوهري) لاستقلالية الوفد الفلسطيني اي لـ"خلق المفاوض الفلسطيني".
فعلا أُرغمت اسرائيل يومها بقرار اميركي على الدخول في هذه العملية، بما يمكن اعتباره اهم محطة بين محطتين استثنائيتين في الضغط الاميركي على اسرائيل لا شبيه لهما منذ العام 1948 في العلاقات الاميركية الاسرائيلية واستلزم احيانا تشجيعا اميركيا ضمنيا لتغيير الحكومة الاسرائيلية نفسها، مثلما ساهمت واشنطن في اسقاط حكومة "الليكود" ووصول حكومة "العمل" برئاسة اسحق رابين عام 1992.
اليوم 2009 هناك تباعد فعلي وعميق بين كل من النظرتين الاميركية والاسرائيلية الى التسوية مع الفلسطينيين واستطرادا سوريا، هوة جدية عندما تتبنى تماما ادارة الرئيس باراك اوباما لـ"حل الدولتين" المسلّم به فلسطينيا وعربيا واوروبيا وعالميا (والذي اهمله طويلا جورج بوش الابن رغم تأييده فكرة "دولة فلسطينية") وترفض حكومة بنيامين نتنياهو – افيغدور ليبرمان هذا الحل بوضوح وبصلافة (ومعه حتى الآن الانسحاب من الجولان) حتى لو ان هيلاري كلينتون وجورج ميتشل وصفا الحل بانه "مصلحة قومية اميركية".
المعركة بدأت اصلا في واشنطن سواء بين الادارة و"الايباك" (اللوبي الاسرائيلي) او داخل "الايباك" نفسه الذي تشكلت اكثريته المسيطرة في العقود الثلاثة المنصرمة من مؤيدي اليمين الليكودي او بين تجمعات يهودية اخرى ليبرالية ومع "حل الدولتين" وضد "الايباك"…
لكن لا ضمانات ان هذا الخلاف سينتهي بما يصبح محطة ثالثة تضاف الى السابقتين بحيث تسجل على انها نجاح اميركي في تغيير الموقف الاسرائيلي رأسا على عقب. لا شك ان الضغط الاميركي سيلعب دورا في محاصرة موقف نتنياهو وقطعا في منعه في المرحلة الراهنة من اتخاذ قرار ضرب ايران بشكل منفرد فهذه مسألة من المستحيل تصور قدرة اسرائيل على بتها منفردة. ولكن حجم التحول اليميني في المجتمع الاسرائيلي وداخل النخبة الاسرائيلية نفسها التي تبدو الآن قواها الحيوية منقسمة داخل اطار اليمين وليس بين يمين ويسار، هذا التحول يجعل المهمة صعبة جدا على اوباما. كما ان استراتيجية قرار القبول بانشاء دولة فلسطينية يجعل احتمال الممانعة الاسرائيلية اكبر مما كان عامي 1956 و1991، لاسيما اذا اضفنا الضعف الحالي الناتج عن انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية والانهاك الشديد في اوصال الجناح الذي قاد تاريخيا بناء مفهوم "حل الدولتين" اي حركة فتح.
مع ذلك فان بعض الخبراء الاميركيين يعتقدون اننا قد نكون حاليا على مشارف 1956 جديدة… كيف؟
فلنراقب بدون تفاؤل.
(alkadaya@hotmail.com)




















