حسان حيدر
اعتبر «حزب الله» ان المقال الذي نشرته «دير شبيغل» الالمانية وتضمن اتهاماً له بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري، موحى به من اسرائيل، بل هو من صنعها، ويدخل في إطار حملتها لتشويه صورته وزرع الفتنة بين اللبنانيين، وتبنّى وصف وليد جنبلاط له بأنه «أخطر من بوسطة عين الرمانة». فإذا كان المقال خطيراً الى هذا الحد، لماذا ينكر الحزب على وسائل الاعلام حقها في الاهتمام به مع ان ذلك يدخل في صلب عملها ودورها؟ ولماذا الحملة على محطات التلفزة، وخصوصاً قناة «العربية»، من زاوية التشكيك في مهنيتها ورمي الشبهة على أدائها لمجرد انها أبرزته واهتمت بالحصول على ردود فعل عليه؟ وهل ان إهمال وسائل الاعلام للخبر يقلل من خطورته وأهميته ويلغي مضمونه؟ وهل دفن الرأس في الرمال والتعتيم هو الأسلوب الوحيد الذي يدعونا الحزب اليه؟ ألم يكن من الافضل ان يرد الحزب على ما ورد في المقال نفسه ويفند معلوماته عن «غملوش» و «الحاج سليم» بدلاً من كيل الاتهامات لوسائل الاعلام؟
الأجوبة لا تقتصر على قضية الخبر الالماني حتى لو افترضنا ان القناة المذكورة «بالغت» في تغطيته، بل تتعداها الى موقف «حزب الله» من كل من يختلف معه في السياسة ولا يرضى بما يعطيه من تفسيرات لمواقفه وسلوكه وطريقة فرضه نفسه بالقوة المسلحة على اللبنانيين وتحالفاته المحلية والاقليمية، سواء أكان جهة سياسية او مواطناً عادياً او وسيلة اعلامية. وقد شاهدنا كيف أحرق مسلحوه تلفزيون «المستقبل» في أيار (مايو) الماضي.
فبالنسبة اليه كل من لا يؤيده يقع في خانة «الاشتباه» و «العداء» وحتى «الخيانة». وهو لم يتردد في ان يطلق هذه الصفات على سياسيين لبنانيين يطالبونه بالتخلي عن سلاحه بعدما انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، والانضمام الى العملية السياسية لإعادة بناء الدولة بوصفه طرفاً مدنياً ليس إلا. ذلك ان «حزب الله» لا يرى في نفسه سوى مؤسسة عسكرية مهمتها المقاومة، ولا يفكر في دوره ومستقبله سوى من هذه الزاوية. ورغم مشاركته في البرلمان والحكومة فإن مقاربته للأمور محكومة بمعايير الأمن ولا تصل الى حد الانخراط الفعلي في العمل السياسي، لأنه يعتبر السياسة إلهاء له عن السبب الأساس لإنشائه وتشويهاً لمسيرته في تحرير «الارض المحتلة» (من دون تحديد) ومقارعة اسرائيل عسكريا، ولم يتوان عن تخوين من يجلس معهم الى مقاعد مجلسي الوزراء والنواب لأنهم بكل بساطة لا يوافقونه على إبقاء البلاد رهينة استراتيجية المواجهة مع اسرائيل، فيما دول الطوق كلها من دون استثناء توصلت الى ترتيبات تهدئة، رسمية او بالأمر الواقع، وانكفأت الى الداخل تعالج مشكلاته وتنمّي اقتصاده. اما هو فكل ما يعد به اللبنانيين، بما في ذلك جمهوره، فهو مجتمع المقاومة والحرب.
لا يكفي ان يكون «حزب الله» مستهدفاً من اسرائيل وأجهزتها لتبرير كل هذه المغالاة في اتهام الآخرين وكل هذه العصبية في اطلاق الاحكام المجحفة والتصنيفات الظالمة، ولا يصح ان يبقى اللبنانيون والعرب وسياسيوهم خصوصاً، والاعلام عموماً، رهينة هواجس الحزب ومخاوفه الامنية.




















