حازم صاغية
يوماً بيوم، تتأكّد الرغبة الأميركيّة الجديدة في حلّ النزاع الإسرائيليّ – الفلسطينيّ. وما من شكّ في أن التحدّي الإيرانيّ يلعب دور الحفز والتسريع على النطاق هذا. ومما يسهل استقراؤه، هنا، رؤية تفيد بأن التقدّم السياسيّ في ذاك النزاع يعطّل إحدى أوراق إيران الأساسيّة، وربّما دفع طهران، هي أيضاً، إلى طاولة الحوار. فإن لم يحصل هذا، كان عليها أن تواجه احتمالات الحسم العسكريّ بشروط أسوأ لها.
هكذا سمعنا أوباما، المختلف مع بنيامين نتانياهو، يعلن ثقته، إثر لقائه محمود عبّاس، بأن إسرائيل ستدرك أن حلّ الدولتين هو الأفضل لأمنها. وفي موازاة الكلام الأشدّ إصراراً لوزيرة خارجيّته هيلاري كلينتون، جعل الرئيس الأميركيّ يحثّ الدولة العبريّة على تجميد توسّعها الاستيطانيّ. بيد أن الأخيرة أصرّت، بدورها، على أنّها سوف تتيح للمستوطنات القائمة التوسّع على رغم الضغط الصادر عن واشنطن.
وهذا يعني، في ما يعني، أن إسرائيل لم "تدرك" أن حلّ الدولتين هو الأفضل لأمنها، تماماً كما أن محمود أحمدي نجاد لم يدرك، بشهادة خطاباته الأخيرة واستعراضاته الصاروخيّة، أن التسوية السياسيّة لقضيّة الذرّة هي الأفضل لأمنه. والحال أن وضعه شروطاً مسبقة وتعجيزيّة على "الحوار" مرشّح لأن يتفاقم قبيل الانتخابات الإيرانيّة وبُعيد التجربة الأخيرة لكوريا الشماليّة.
يترتّب على ذلك مجتمِعاً أن الولايات المتّحدة ربّما كانت تمارس نوعاً من الاستسهال في تقدير الطرفين الإسرائيليّ والإيرانيّ، ومن ثمّ وصف طرق التعامل معهما. وغالب الظنّ أنّهما، من موقعيهما المتناقضين، لا يوفّران فرصة للاستفادة من الضعف الأميركيّ الحاليّ، إن اقتصاداً أو قدرةً على الإملاء في ظلّ المستنقع الباكستانيّ – الأفغانيّ والتورّط العراقيّ.
والصعوبة مع إسرائيل مصدرها أن إسرائيل تغيّرت، بدليل التركيب السلطويّ الحاليّ الذي يحتلّ فيه إيهود باراك، وهو "يمين" حزب العمل، موقع "اليسار" الضعيف في حكومة تطغى عليها التيّارات القوميّة الشعبويّة. وبالمعنى نفسه فإن إيران، معطوفاً عليها التأييد الذي تحظى به في جواريها العربيّ والإسلاميّ، ازدادت غطساً في الشعبويّة النضاليّة و "الهويّاتيّة".
وبين هذا وذاك، تتراجع قدرات "الاعتدال" على التأثير، أكان منه الفلسطينيّ ممثّلاً بالسلطة في رام الله، أم العربيّ الأعرض. ويعني ذلك أن أيّة محاولة أميركيّة قد يطلقها أوباما، من القاهرة أو من الرياض، ستواجه طرفين قويّين ومصمّمين، هما الإسرائيليّون والإيرانيّون، طرفين يجمع بينهما تغليب النهج العنفيّ الذي يُرجّح أن يقود واحدهما إلى الصدام بالآخر.
وهذا، في جانب منه، ذو محمول ثقافيّ، بمعنى التصادم بين الهويّات، وهي تعيش أعلى يقظاتها مستعيرةً من عصبيّات القبائل الهياج والنزوع السلاحيّ، وبين الديبلوماسيّة وقنوات الحلول الدولتيّة للمشكلات.
واللبنانيّ الذي يتهيّأ لانتخاباته العامّة اليوم في وسعه أن يقدّم شهادة بليغة عن وجه آخر من وجوه العمليّة إيّاها، أي ذاك الانشغال العالميّ بلبنان وانتخاباته في ظلّ استنفار استثنائيّ لمناطق تلفظ "الغرباء" عنها ممن لا يبعدون غير مئات الأمتار منها، أو لطوائف تزداد تدقيقاً في دمها الصافي وسعياً إلى فرزه.
وربّما شكّلت هذه السمة العالميّة أبرز علامات الحظّ السيّئ لباراك أوباما الذي قد يُضطرّ لأن يخوض مواجهاته على جبهتين، هو الذي قيل، لحظة انتخابه، إنّه رجل الحظّ غير المسبوق.




















