المستقبل –
يحمل انضمّام الولايات المتحدة الأميركية إلى "مجلس حقوق الإنسان" أكثر من دلالة ومعنى؛ كونه يشكل خطوة اتخذتها الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس بارك أوباما للخلاص من إرث الإدارة السابقة للرئيس جورج دبليو بوش، بل وإرث الإدارات السابقة التي تعاقبت على البيت الأبيض في واشنطن، إذ لم يسبق وأن انضمت الولايات المتحدة الأميركية إلى هذا المجلس منذ تأسيسه.
وجاء حديث السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة على شكل اعتراف بأن بلادها "لم تكن في حال الكمال في ما يتعلق بحقوق الإنسان وانتهاكاتها". لكنها أكدت على "الالتزام العميق للإدارة الجديدة بمبادئ حقوق الإنسان وتحسين أداء المجلس". وهذا كلام لم يسمعه أحد من طرف أي مسؤول في الإدارات الأميركية السابقة.
ومعلوم أن الإدارات الأميركية السابقة، ومنذ بداية ثمانينيات القرن العشرين المنصرم، في عهد الرئيس رونالد ريغان، مارست سياسات إدارة الظهر للمنظمات والهيئات الدولية التي تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان. وفضّلت في معظم الحالات البقاء خارجها. وكانت تختلط في موقفها الغطرسة والنظرة المتعالية على الهيئات والمنظمات الدولية مع محاولات تطويعها وتوظيفها والحرص على التواجد خارج أية مؤسسة يمكنها أن تدين الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية وتشير بأصبع الاتهام إلى انتهاكات إسرائيل وممارساتها العنصرية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني.
ومع تنامي سطوة الهيمنة الأميركية، حاول الساسة الأميركيون، خصوصاً خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش أن يخضعوا حقوق الإنسان لمعايير اصطلاحية تتماشى مع الأخلاقيات والقيم الأميركية، بل ونهضت مفاهيم الحقوق في الخطاب السياسي الأميركي على خلفية التمركز الذاتي في أقصى حالاته، إذ جُعل منها مفاهيم تخص أميركا، وباتت كل محاولة لكوننة هذه الحقوق تصطدم بالعراقيل وبالحواجز التي تضعها قوى الهيمنة والسيطرة فيها.
وشكلت الانتهاكات الأميركية لحقوق الإنسان، في العراق وأفغانستان وسواهما، بداية حقبة جديدة يسحق فيها قانون القوة قوة القانون، الأمر الذي دانته منظمات حقوق الإنسان الدولية، وأشارت في تقاريرها العدية إلى أن وجود أدلة جديدة تؤكد على أن انتهاك حقوق الإنسان هو جزء لا يتجزأ من إستراتيجية إدارة الرئيس "جورج دبليو بوش" في حربها ضد "الإرهاب"، الأمر الذي أسهم في أضعاف حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.
غير أن انضمام الولايات المتحدة إلى "مجلس حقوق الإنسان" يعلن مغادرتها للنهج السابق، ويكتسب مضموناً ضدّ أي اعتداء أو معتد على هذه الحقوق؛ والأمر برسم التطبيق، إذ على إدارة الرئيس بارك أوباما أن تعمل على ترجمته على الأرض، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالممارسات والانتهاكات الإسرائيلية. وعليها أن لا تسعى إلى جعل إسرائيل مستثناة من قاعدة الإدانة الدولية لانتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني ولتوسعها الاستيطاني وهدم بيوت ومنازل الفلسطينيين في القدس وفي سواها من الأراضي الفلسطينية وعدم التزامها بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي تعتبر الاحتلال والاستيطان انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان. كما أن الإدارة الأميركية الجديدة مطالبة بالابتعاد عن التذرع بحجة "العداء للسامية" التي تقف وراء كل موقف يدين الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية.
ويبقى أن الانضمام الأميركي لمجلس حقوق الإنسان يتطلب العمل على ردم الهوة ما بين المبادئ والحقوق التي تتضمنها الوثائق والأعراف الدولية وبين الواقع والممارسات على الأرض في مختلف أنحاء العالم. وهو يأتي في وقت تحتل فيه قضايا حقوق الإنسان مساحة هامة في الفكر والثقافة الإنسانيين، إذ تجذب اهتمام أعداد متزايدة من المدافعين والناشطين والمناضلين في سبيلها، وتتشكل فيه العديد من الهيئات والمنظمات الدولية التي تهدف إلى بناء ثقافة حقوق إنسان عالمية المضمون والمبنى.




















