المستقبل –
تشهد العلاقة الأميركية الإسرائيلية نوعاً من التوتر والتجاذب بين الطرفين، لا سيما على خلفية التضارب في السياسات الشرق أوسطية، بما يتعلق بملف عملية التسوية، وحل الدولتين، وكيفية التعامل مع إيران.
على ضوء ذلك فهل انتهت مكانة إسرائيل كحليف استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة؟ وهل انتهى الزمن الذي كانت إسرائيل تفرض فيه أجندتها على السياسة الأميركية الشرق أوسطية؟ وما انعكاس ذلك على عملية التسوية؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من التأكيد على جوانب عدة، تحيط بالعلاقات الإسرائيلية الأميركية، فهذه العلاقة لم تبنَ في عهد رئيس معين، حتى يلغيها رئيس آخر. ثم ان السياسة الخارجية الأميركية هي سياسة مؤسسية، بمعنى أنها لا تتغير بشكل جوهري، أو بشكل انقلابي، مع هذا الرئيس أو غيره.
وفي الحقيقة فإن العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، من بين علاقات الدول والأمم، تبدو نسيج وحدها، فهي علاقات استثنائية وفريدة، وتطال مختلف مجالات الحياة. المفارقة في هذه العلاقة أن إسرائيل تبدو عبئاً على الولايات المتحدة من النواحي: السياسية والاقتصادية والأمنية، وحتى لجهة مكانتها وصدقيتها في العالم، في حين أنها تعتبر مكسباً خالصاً لإسرائيل، التي تتمتع بضمانة الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها على دول المنطقة، في المجالات: العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، كما انها تتمتع بتغطية الولايات المتحدة، لسياساتها العدوانية والاستيطانية والاحتلالية والعنصرية، هذا إضافة إلى الدعم السخي الذي تغدقه عليها سنوياً، بطريقة أو بأخرى، ويقدر بنحو 3 مليارات من الدولارات من المساعدات المباشرة.
المفارقة في هذه العلاقة تتجلى، أيضاً، في واقع أن إسرائيل دولة صغيرة جداً وهي بعيدة عن الولايات المتحدة، ولا يزيد عدد سكانها عن بضعة ملايين، ويبلغ ناتجها السنوي نحو 150 مليار دولار، في حين أن الولايات المتحدة دولة كبيرة وقوية بالمقاييس الجغرافية والسكانية والاقتصادية والتكنولوجية.
ثمة مفارقة أخرى، بالمقابل، وتتمثل بواقع أن مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي أهم بكثير من مصالحها في إسرائيل، ففي العالم العربي كتلة بشرية تناهز 300 مليون شخص، وفيه مكمن الثروة النفطية الحيوية جداً للاقتصاد العالمي، وهو يقع في موقع استراتيجي فائق الأهمية للعلاقات الدولية، في امتداداته بين القارات الثلاث، وبين الحضارات الأوروبية والإفريقية والآسيوية.
لكن ما يلفت الانتباه أنه برغم من كل الميزات، التي هي لصالح العالم العربي وليست لصالح إسرائيل، فإن الولايات المتحدة ظلت، طوال العقود السابقة، تصر على محاباة إسرائيل ودعمها وتغطية سياساتها بشكل مطلق! وفي تفسير ذلك تباينت اجتهادات المحللين والسياسيين فمنهم مَن فسّر الأمر بتعبيرات المؤامرة الخارجية الرامية للسيطرة على الوطن العربي وتطويعه للإملاءات والمصالح الأميركية، ومنهم مَن فسره من وجهة نظر صراعات الحرب الباردة، إبان التصارع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، ومنهم من فسره بقوة اللوبي الصهيوني، معتبراً أن الولايات المتحدة مسيرة وليست مخيرة، وهكذا!
الواقع أن كل واحد من هذه التفسيرات يعجز عن شرح هذه الظاهرة، وملاحظة التغيرات اللاحقة بها. وبرغم من أنه ثمة حقيقة في هذه التحليلات إلا أنها تقصر، أيضاً، عن تحليل هذه الظاهرة بشكل موضوعي وتاريخي وشامل.
بالنسبة للتفسير بعقلية "المؤامرة"، مثلاً، فإنه وطوال فترة الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بعلاقات ممتازة مع العديد من الحكومات العربية، وعلى الدوام كانت مصالحها مصانة ومضمونة في بلدانها، ولكنها مع ذلك لم تقدم شيئاً لهذه الحكومات على صعيد لجم عدوانية إسرائيل، التي تسبب حرجاً لها إزاء شعوبها. كذلك وبرغم إدراك أهمية المصالح الأميركية، وإدراك استراتيجيات الدول الكبرى، إزاء المنطقة العربية، فإن الواقع السياسي والاقتصادي والأمني يؤكد بأن الولايات المتحدة لم تكن بحاجة لإسرائيل لترسيخ هذه المصالح، ولا في أي وقت من الأوقات. وبالنسبة للتفسير بعقلية صراعات الحرب الباردة فقد انتهت هذه الحرب وباتت من الماضي منذ مطلع التسعينات ومع ذلك فإن الولايات المتحدة لم تغير موقفها من إسرائيل ولا من دعمها لها. أما التفسير بقوة اللوبي الصهيوني، فهو لا يشرح كيف أن دولة بقوة وجبروت الولايات المتحدة تسيّر بقوة اللوبي الصهيوني مستمدة من طبيعة السياسة الأميركية ذاتها، ومن حيوية شبكة العلاقات التي صاغتها مجموعة المنظمات التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ومن طريقة عمل النظام السياسي الأميركي ذاته.
وفي الحقيقة فقد أثبتت التجربة بأن إسرائيل هي التي تخضع سياستها لمتطلبات ومصالح السياسة الأميركية، وليس العكس؛ فحيث لا يوجد تعارض بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، فإسرائيل هي التي تقرر، أما حيث يوجد تعارض فإن الأمر يُحسم لصالح الولايات المتحدة.
الآن، ثمة إدارة أميركية واضحة وحاسمة ولديها أجندة سياسية جديدة، ومغايرة للإدارة السابقة، وهي متحررة من اعتبارات اللوبي الصهيوني، وتشتغل تحت ضغط الأزمة الاقتصادية العالمية، والانسحاب من العراق والتركيز ضد الإرهاب في أفغانستان والباكستان، وإدارة المواجهة مع إيران بطريقة ديبلوماسية. وفي كل ذلك، أيضاً فإن هذه الإدارة ترى أن عملية التسوية تسهل عليها كل هذه المسارات، ما يتطلب منها إعادة إسرائيل إلى حجمها، لكن هذا لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن إسرائيل، ولا أنها ستقوم بالعمل بالنيابة عنا!




















