أكثر من مليار مسلم شاهدوا وراقبوا ما قاله الرئيس باراك أوباما، وقد لا يكون الرضا شاملاً مثلما لا يكون الغضب كبيراً، وقد تحدث بصيغة أمريكية بحتة وفي روح مصالحة نادرة من بين كل رؤساء أمريكا السابقين، ولعل المقارنة، ولو للذكرى، بين خطاب بوش الابن في الكنيست العام الماضي عندما قال "ليبارك الرب إسرائيل" وكيف وصف الإسلام بالإرهاب، وأن ما يجري معه حرب صليبية، وبين رؤية أوباما التي جاءت تصالحية ومنفتحة، حتى إن استشهاده بآيات من القرآن الكريم يؤكد أن زعامته تريد بالفعل إنهاء مرحلة العداء مع المسلمين بكافة طوائفهم..
قطعاً هناك الكثير مما يمكن التعليق عليه في بنود الخطاب لكن سنقصر الأمر على السلام العربي – الإسرائيلي في بناء الدولتين، واعتبار القدس عاصمة لأصحاب الديانات الثلاث، وهذه اللهجة لم تأت كمناورة سياسية حتى لو جاءت الإشارة لها في وسط الخطاب، إلا أنها ذات أهمية كبيرة أي أن السلام صار من أولويات اهتمام دولته، ونحن هنا لا نستعجل الأمور إذا كانت مثل هذه الحلول لا تأتي بأيام وشهور تبعاً لتعقيداتها وما يترتب عليها من تنازلات لا تستطيع فرضها أي دولة إلا أمريكا..
وإذا كان لمخاطبة العالم الإسلامي هدف استراتيجي، فإن المسلمين لم يكونوا على عداء صنعته مثلاً تواريخ من الاستعمار أو الحروب الدينية، كما جرى مع الكنائس الأوروبية، بل حدث لأن القضية الفلسطينية كانت مغيّبة ومبعدة عن الفكر السياسي الأمريكي، وإذا ما أضيف لها غزو العراق وأفغانستان ، والتحدي الواضح في نبرة أي خطاب وتصريح للرئيس بوش، في استثارة المسلمين، واعتبار إسرائيل الصفحة البيضاء في السجل الأمريكي، فقد صارت هذه الانزلاقات سبباً جوهرياً في العداء ونمو الإرهاب والتطرف حتى إن اعتبار أي مسلم عدواً حتى يثبت العكس، وملاحقته داخل أمريكا وخارجها باعتباره إرهابياً خلقا رد الفعل المساوي، ويكفي أن المحافظين الجدد شكلوا الرمز لكل تطرف يميني بروح كنسية ضد الإسلام والمسلمين، ومبايعة شاملة لكل فعل إسرائيلي..
العالم الإسلامي سيمد يده مصافحاً ومصالحاً على قاعدة المساواة وروح العدل، إذ ليس بينه وبين الشعب الأمريكي ما يفرض استمرار العداء، وإذا ما جاء التغيير من داخل السلطة الأمريكية من خلال تغيير الأنظمة والأحكام المسبقة والملاحقات غير القانونية فإن الرابط المصلحي والإنساني مع أكبر قوة في العالم تفرضه الضرورات، وليس الدبلوماسية القائمة على المناورة والزوال إذا ما حققت نتائج إيجابية للطرف الأقوى، وفي حال أمريكا فهي تدرك ضرورة خلق أجواء سلام على كل الأصعدة، لأن العداء جاء بخسائر لكل الأطراف ، وأفقد الجميع الثقة وزاد من الشكوك في أي خطوة سياسية مجهولة الأهداف..
في العموم الخطاب جاء متوازناً ومدروساً، ويشكل نقلة نوعية في التعاون المشترك وربما لو دُعم بعمل حقيقي، فإنه سيمهد لإلغاء عوامل التوتر، وخاصة مع الجانب الإسرائيلي الذي لا يزال مصدر المشكلة ومحور الصراع على الجانبين العربي، والإسلامي..




















