خطاب الرئيس باراك أوباما التصالحي مع العرب والعالم الإسلامي يؤسس لتغيير جوهري في السياسة الأمريكية، ويدشن لحقبة جديدة، يمكن أن تكون حقبة للسلام العادل والشامل والدائم في المنطقة. وهنالك أسس وردت في الخطاب يمكن الاعتماد عليها لإقامة شبكة علاقات من نوع جديد، فيما لو أُحسن استخدامها عربيا وأمريكيا على نحو صحيح.
وتبقى الأسئلة: هل باستطاعة إدارة أوباما ترجمة هذه الأسس إلى قدرة فعلية ؟ وماذا سيفعل العرب للتأثير في أروقة صناعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحهم ؟ وهل يمكن أن يتغيروا فيما يتعلق بأوضاعهم الداخلية كي يتمكنوا من التعاطي المجدي مع التوجهات الأمريكية الجديدة ؟
لقد كانت العناوين التي تضمنها خطاب الرئيس أوباما في القاهرة متنوعة ومتوازنة ومثيرة للجدل والتحليل والاستشراف: التطرف، فلسطين، السلاح النووي، الديمقراطية، المرأة، الحرية الدينية والتسامح الديني، ثم التنمية الاقتصادية. وتحمل هذه الرؤية الجديدة في مضامينها، نظرة جديدة للأمن والسلم العالميين، لا تلغي الحروب الوقائية والضربات الاستباقية فحسب، وإنما تعترف بأهمية شراكة العرب والمسلمين ترتيبات الأمن والسلم العالميين، كما تحمل اعترافا بفعاليتهم وقدراتهم.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فإنّ الخطاب انطوى على: أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد ترى في إسرائيل دولة خاصة أو استثنائية في الشرق الأوسط. وبرز ذلك واضحا حين قال: ليس هناك أي شك في أنّ وضع الفلسطينيين لا يطاق، ولن تدير أمريكا ظهرها عن التطلعات المشروعة للفلسطينيين في الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم.
وبداية، يجدر التنبه إلى أنه ما لم يتم التقاط هذه الفرصة عربيا، وتطوير صيغة فاعلة للتعامل مع الإدارة الأمريكية، ودعم وتقوية أوراق التفاوض التي يمتلكها العرب، والخروج من حالة الانقسام والتنافس العربي على تقديم الخدمات فرادى، طمعا بالحصول على مكانة خاصة، فإنّ هذه الفرصة مآلها الضياع، والعودة إلى مربع الركون إلى السلبية بذريعة عدائية أمريكا وانحيازها ضد قضايانا.
ومما لا شك فيه أنّ هنالك في تاريخ العلاقات الأمريكية – العربية ما يكفي لتكديس خلافات عميقة، ففي مخزون الذاكرة العربية ما يكفي للقول: إنّ ثمة تحالفا استراتيجيا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فقد حاولت الإدارات الأمريكية، منذ مؤتمر مدريد 1991 إلى أوسلو وكامب ديفيد الثاني وطابا وانتهاء بأنابولس، إلى تبرير عدم اللجوء للضغط على إسرائيل لجذبها إلى المفاوضات، وبعد دخولها في المفاوضات يصبح الهدف الحفاظ على بقائها في المفاوضات، وفي إطار هذه الرؤية التضليلية تمكّن المفاوض الإسرائيلي من التملص والمراوغة، وتحوّل التفاوض إلى لعبة ومضيعة للوقت.
اليوم جاء الرئيس باراك أوباما ليقول ويظهر أنّ أمريكا تتغير، ويمكن أن تتغير أكثر إذا لقيت التجاوب الكافي، وأنها ليست في حال عداء مع العرب، ولا في وضع تحالف أعمى مع إسرائيل، وأنها تسعى إلى حل ينصف الفلسطينيين. مما يستوجب إدراك التمايزات بين الإدارات الأمريكية، فأوباما الذي يريد إعادة أمريكا إلى روحها المدنية ويعطي الأولوية للقيمة على السلاح، وللحق على القوة، وللقانون على الغلبة، لا بد أن نأخذ دعواته على محمل الجد، وأن نرى فيه صديقا لا عدوا تحت أي ظرف من الظروف.
وإذا كان البعض ينظر بقلق إلى قدرته على تحقيق طموحاته تلك، من خلال قدرته على الضغط على إسرائيل وعدم الانصياع لضغوط المؤسسات الأمريكية، فإنه من المصلحة العربية التفكير من منطلق بناء الشراكات مع الولايات المتحدة الأمريكية. إذ ليس مقبولا أن ننتظر بلورة السياسة الأمريكية وأن نقصر دورنا على قبولها أو رفضها، بل يجب أن يكون لنا دور في عملية صياغة هذه السياسة. المطلوب انتقالنا من خانة إفشال خطط الأمريكيين إلى خانة المشاركة الفاعلة في صياغة هذه الخطط بشكل يحمي مصالحنا. إنّ العيب فينا نحن العرب، إذ أننا نتوقع أكثر مما ينبغي، ثم نشتكي إن لم يتحقق ما لم نتوقع، ولم يقع ما نتمنى، فقد تعودنا على المطلقات دون النسبيات.
لذا علينا ألا نبالغ كثيرا في أثر البعد الشخصي في تشكيل النظرة الجديدة لإدارة أوباما، حتى لا نخطئ التحليل وتقدير الموقف الصحيح، وبالتالي تصدر استجاباتنا مشوشة وغير موضوعية. فعلى الرغم من كون النظام الأمريكي نظاما رئاسيا، بمعنى أنه يعطي للرئيس صلاحيات واسعة، خصوصا في تقرير السياسة الخارجية، إلا أنّ توجهات هذه السياسة غالبا ما تعبّر عن رؤى وتصورات النخب والمؤسسات الأمريكية الفاعلة. وهكذا، ما زالت إدارة الرئيس باراك أوباما في الامتحان، وستبقى إلى حين إثباتها عزمها وقدرتها على أن تقوم بما يجب القيام به وعدم الاكتفاء بمجرد الخطاب والتمنيات.
تونس في 7/6/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 11/6/2009.




















