الاحتفالات الوطنية المفقودة من زمان في العراق، عادت أمس إلى عاصمته ومدن محافظاته؛ مع مغادرة القوات الأميركية لها. من حق العراقيين أن يفرحوا، لخروج الاحتلال من حياتهم اليومية. كابوسه الثقيل، جثم على صدورهم لأكثر من ست سنوات. خلالها انقلب البلد رأساً على عقب. نزيف متواصل ضربه من كل الجهات. ردّه إلى المربع الأول. إخلاء المناطق السكنية من قواته، تحوّل مهم. بداية تبشّر بفجر جديد واعد بعودة الوطن إلى أهله.
لكن، في المقابل، «يوم السيادة» هذا، ولو غير المكتملة، يضع العراقيين أمام امتحان عودة الأهل إلى الوطن؛ موحدين حاضنين له. مسؤولية كبيرة تقع على عاتقهم، من دون النهوض بها لا تكتمل الفرحة ولا يكون الاحتفال في محله. أجواء اللحظات الأولى، مشجعة. الجهات العراقية المعنية، المدنية والعسكرية، حرصت على إشاعة أجواء الثقة ونشر التطمينات. وبالذات على صعيد الأمن. التأكيدات تتوالى، حول سيطرة السلطات على الوضع.
كما أن قوى الشرطة والجيش، باتت تمتلك القدرات والكفاءة اللازمة، عدّة وعدداً، للقيام بدورها في تأمين سلامة المواطنين وحماية الاستقرار. تقديم المشهد بهذا الشكل، بعد تسلّم السلطات العراقية لهذه المهام والصلاحيات؛ لا يعزّز الشعور بالأمان فحسب؛ بل أيضاً ان المؤسسات بدأت تسترجع عافيتها. مما يساهم في تزخيم حضورها وتفعيله.
بيد أن الساحة لا تزال سريعة العطب. هشاشة الوضع، تعكسها كثرة الاختراقات. فهناك تخوفات، تبديها فئات وجهات، ليست قليلة، من انتقامات وتصفية حسابات. كما أن أصابع الفتنة لا تزال متواجدة. في الفترة الأخيرة حرصت على تأكيد حضورها الفعّال، من خلال سلسلة التفجيرات الموجعة التي قامت بتنفيذها في عدّة مناطق.
كانت رسائل تنذر بأن يد العنف جاهزة ومتأهبة لتضرب، فور انجاز عملية الإخلاء. وحده، وعي مسؤولية اللحظة الراهنة؛ يشكل صمام الأمان. أول المطلوب هو تحويل فرصة إعادة تموضع القوات الأميركية، إلى عملية انطلاق لورشة بناء شامل ومتكامل.
يبتدأ بالدولة وأجهزتها وما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية وإدارية، مضى عليها زمن وهي منقوعة في المياه الراكدة؛ وينتهي بإعادة إعمار بنية البلد المدمرة، مروراً بالقضاء على الفساد المستشري، الذي يشكو منه الجميع في العراق.
واشنطن التزمت بالموعد لهذا الانسحاب الأولي. لكن قواتها باقية في أماكن معينة، حتى آخر 2011. من المفترض، آنذاك، أن تغادر العراق كلياً. خلال هذه الفترة الانتقالية، القوى العراقية المشاركة في الحكم؛ مطالبة بقطع الشوط السيادي الوطني المطلوب وبالحدود التي لا تترك مجالاً أو ذريعة أو حاجة، لتمديد بقاء أي جندي أجنبي فوق أرض العراق. مسؤولية تاريخية في أعناق العراقيين.




















