ربما أصبح خبراً يومياً أن يلتقي زعماء فصائل أو جماعات أو حتى ميليشيات عربية في مكان ما ليحلوا ما بينهم من تناقضات وينهوا مسلسلات الحرب أو القتل وسفك الدماء أو يوقفوا الصراعات التي أضرت بهم وبشعوب الدول التي ينتمون إليها، وفي الغالب فإن نسب النجاح تظل دائماً ضعيفة وكثيراً ما تنتهي الاجتماعات من دون نتيجة، وفي الغالب فإن ضررها يكون أكثر من نفعها عندما يخرج هؤلاء الزعماء ويتوجّهون إلى اتباعهم فيأمرونهم بالتصعيد، إذ يسعى كل منهم إلى إثبات أنه الأحق والأقوى، ونادراً ما نجحت جهود المصالحة بين الفرقاء العرب من أبناء البلد الواحد. وحتى إذا أضاءت الكشافات ودارت الكاميرات لتسجل لحظة توقيع اتفاق أو مصالحة بين المتناحرين فإن شكوكاً تبقى حول نية كل طرف وتمتد الأيادي دائماً بالدعاء إلى الله أن يثبت هذا الاتفاق وذلك التوافق.
انشغلت طوال الأسبوع بالبحث عن معلومات عن لقاءات أو اجتماعات أو حوارات بين أطراف متنازعة او متناحرة أو متصارعة في أي مكان في العالم فلم أجد إلا في المنطقة العربية، بحثت في أوروبا والدول المتقدمة فوجدت الكل (حكومات وشعوباً) منشغلاً بأمور المستقبل والتعاطي مع الحاضر بصورة تجعل هذا المستقبل أكثر إشراقاً. وحتى في أميركا اللاتينية فإن النزاعات هناك بين جماعات وحكومات وليس بين فرق داخل الدولة الواحدة، وعادة ما تنتهي جهود المصالحة باتفاق يُحترم من الطرفين وينفذ وفقاً لجدول زمني وتنتهي المشكلة وتحل القضية. على الجانب الآخر استقبلت القاهرة زعماء الفصائل السودانية في دارفور ليتحاوروا تمهيداً لحوار آخر بينهم يفترض أن يصلوا فيه إلى اتفاق ينهي المذابح هناك ويضع السودان من جديد على بداية طريق خال من الصراع والمواجهة مع العالم. والعاصمة المصرية كانت شهدت ايضاً على مدى الشهور الماضية اجتماعات ماراتونية بين زعماء الفصائل الفلسطينية الذين بهرونا في الاجتماعات الأولى بروح الود وعبارات الشهد التي نطقوها من دون أن ينفذوا منها شيئاً حتى الآن. وبين السودانيين والفلسطينيين التقى زعماء القبائل والجماعات الصومالية مراراً في أماكن مختلفة ولا حياة لمن تنادي فالوضع هناك الآن وبعد كل اللقاءات والحوارات والاجتماعات يجعلك تتساءل: وماذا لم تعقد؟
يبدو العرب وكأنهم ارتضوا الخصام وفارقوا المصالحة إلا ما ظهر منها من دون تأثير حقيقي، وحين تسأل عن سبب تقدم العالم وتأخرنا فإنك تجد أسباباً عدة من بينها بكل تأكيد انشغالنا بالخصام ثم المصالحة من دون أسباب موضوعية للخصام أو نيات حقيقية في المصالحة، ومثل الخلية السرطانية فإن اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات الحوار والمصالحة تنتقل من مكان إلى آخر لتجمع فرقاء آخرين ينتمون إلى بلد عربي آخر حتى أصبحت بعض الأقطار العربية نموذجاً لحال النظام العربي كله بما يعانيه من تشرذم وتحزب وتصارع. كم من الأموال أنفقت في المعارك العربية – العربية سياسياً وعسكرياً، وكم من الموارد تبدّدت لإسكات هذا الطرف أو ذاك، ناهيك عن نفقات السفر وتجهيز القاعات والأكل والشرب للمتخاصمين من أجل أن يتصالحوا؟
لكن هل بددت أموال العرب فقط في الخصام والصلح؟ بالطبع فإنها توجهت في الغالب إلى الاتجاهات الخاطئة مع استثناءات قليلة، وبالتالي فإن إنفاقها "في الخير" أمر يظل مقبولاً ومبرراً أمام الشعوب.
عموماً من المؤكد أن الظاهرة لن تتوقف وكل المؤشرات تؤكد أنها في طريقها إلى الاستفحال وأن فرقاء جدداً في بلد عربيّ ما سيغادرون بلدهم في القريب إلى بلد آخر سعياً نحو مصالحة جديدة ولدى كل منهم يقين أن في الخصام مكاسب وفوائد وفي الصلح خسائر وأضراراً.
"الحياة"




















