عبدالله اسكندر
لا يغامر أحد بوضع حصيلة ايجابية، عمليا، للعام الاول من عمر «مسيرة برشلونة – الاتحاد من اجل المتوسط»، هذا التجمع الذي اطلقه الرئيس نيكولا ساركوزي في اطار تصور لإرساء السلام والتعاون في حوض البحر المتوسط، والذي يجمع البلدان المتشاطئة بشراكة مع الاتحاد الاوروبي.
اجتذبت القمة الاولى لهذا التجمع، في باريس في تموز (يوليو) الماضي، كثيراً من الاهتمام والآمال. لكن هذا الاهتمام انصب على نوعية الحضور اكثر بكثير من القضايا التي تضمنها جدول الاعمال الرسمي للقمة. واهتمت الصحافة وعدسات المصورين بحضور الرؤساء المصري حسني مبارك والسوري بشار الاسد واللبناني ميشال سليمان ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود اولمرت. على نحو كاد ان يطغى على اعمال القمة. وهذا عنى، منذ البداية، ان قضايا الشرق الاوسط، بما فيها النزاع العربي – الاسرائيلي والمصالحات العربية، تحكم اي تعاون عملي في حوض المتوسط وان اي تقدم في مشاريع مشتركة يرتد نفعاً فعلياً على سكان هذا الحوض مرتبطاً ارتباطاً وثيقا بالحال السياسية فيه.
الطموحات التي اعلنها ساركوزي، وهي طموحات تعكس طريقة الرئيس الفرنسي بالعمل على إحداث اكبر جلبة ممكنة، لم تقنع كثيرين في حوض المتوسط والاتحاد الاوروبي بالقدرة على تنفيذها. وإن كان الجميع سعى الى عدم إثارة فرنسا وإغضاب رئيسها. فجاءت دعوة تركيا الى القمة والشراكة مع الاتحاد الاوروبي بمثابة تسويات لفظية لبقة لرغبة انقرة في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي وللاعتراض الالماني على قيام التجمع المتوسطي. فيما كان السخاء بوعود اختيار المقرات لمؤسسات هذا التجمع جاذبا لمشاركات مترددة، مثل المانيا وايطاليا وحتى تونس. اما قادة الحوض الشرقي، فجاء كل منهم برغبة مختلفة. اولمرت سعى الى صورة او مصافحة مع الرئيس السوري من اجل تغطية ما كان يهدد موقعه في «كاديما» وعلى رأس الحكومة من فضائح واحتجاجات. والرئيس الاسد جاء لتأكيد كسر الحصار عن سورية، بعد اعوام «العزل» السابقة، وهي الخطوة التي تتوّجت بالقمة مع نظيره اللبناني واطلاق مسيرة تبادل العلاقات الديبلوماسية بين البلدين. ولعل هذا الملف كان من اهم ما انتجته القمة الاولى لـ «الاتحاد من اجل المتوسط».
صحيح ان ثلاثة اجتماعات، على مستوى وزاري، عقد الاول في مرسيليا في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي والثاني في باريس في حزيران (يونيو) الماضي والثالث في بروكسيل هذا الشهر. لكن هذه الاجتماعات ظلت اجرائية اكثر من كونها تقريرية في المسائل والاهداف التي وضعت للاتحاد. كما ظلت في اطار تداول عام للعناوين مثل ضرورة حماية البيئة ومكافحة التلوث واطلاق «الاوتوسترادات» البحرية والبرية وتطوير الطاقة الشمسية والتعليم والبحث العلمي والحماية المدنية وتنمية المنشآت الصغيرة والكبيرة.
والحصيلة القليلة لهذه الاجتماعات، وغيرها على مستوى الخبراء، لم تكن نتيجة لعدم الحماسة الذاتية للانخراط في مثل هذا الشكل من التعاون فحسب. وانما ارتبطت ايضا بالظروف السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم التي استجدت منذ اطلاق التجمع المتوسطي.
في مقدم هذه الاسباب السياسية، التراجع الكبير الحاصل في عملية السلام العربي – الاسرائيلي. بفعل الهجوم الاسرائيلي على قطاع غزة وانتخاب حكومة اسرائيلية متطرفة، ما اطاح كل فرص استعادة المفاوضات على المسار الفلسطيني والمفاوضات غير المباشرة على المسار السوري. مع هذا الجمود السياسي وزيادة النزعات في اسرائيل الى العدوانية والتصلب، اصطدم الاتحاد الاوروبي، بما فيه فرنسا، بوضع يستحيل معه الدفع في السلام، بحسب المواصفات التي وضعها بيان مرسيليا، اي الرغبة في سلام عادل وشامل على اساس الارض مقابل السلام والقرارات الدولية المتعلقة بالنزاع و «خريطة الطريق».
وجاءت الازمة الاقتصادية العالمية، وما رتبته من التزامات مالية كبيرة لإنقاذ المصارف وتمويل البطالة المتزايدة في اوروبا، لتحد من قدرة اعضاء الاتحاد الاوروبي على الوفاء بوعودهم بتقديم المساعدات سواء لوضع هياكل «الاتحاد من اجل المتوسط» او تمويل اية مشاريع تعاون في اطاره.
هكذا تضافرت الظروف الذاتية والتطورات لتحد كثيرا من الطموحات التي ادت الى اطلاق «الاتحاد من اجل المتوسط». وبغض النظر عما اعلن لمناسبة قمة الرئاسة الفرنسية – المصرية المشتركة لهذا الاتحاد في باريس امس، لا يبدو في المستقبل المنظور ما يشير الى امكان تحقيق اختراق جدي في إرساء السلام والتعاون العملي بين اعضاء هذا الاتحاد.




















