المستقبل –
لم تستطع حكومة إسرائيل الصمود أمام غريزة الشر. فبعد أن تم احباط النسخة السابقة من " قانون النكبة"، صادقت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع على اقتراح قانون لا يقل بؤسا، يرمي إلى منع عرب إسرائيل الفلسطينيين من ممارسة ذاكرتهم الجماعية تجاه تصورهم الخاص للحرب التي جرت بين عامي 1947-1949.
ظاهريا، ثمة في إسرائيل حرية تعبير للأقليات أيضا، لكن بموجب اقتراح القانون، فإن هذه الحرية ستكون محدودة بصورة جوهرية. فهذه الحرية مسموح بها طالما لا تنشغل في توجيه الانتقاد إلى المبادئ الأساسية للنظام السياسي. التغيير المركزي بين الاقتراح السابق وبين الاقتراح الذي صودق عليه أمس، هو تغيير مزدوج. الأول، أُلغيت عقوبة السجن؛ وثانيا، اقتراح القانون موجه فقط إلى الهيئات التي تحصل على ميزانيات مالية من الدولة.
بكلمات أُخرى، الدولة تشجع الديمقراطية أو أنها لا تعرقلها، طالما كانت التعبيرات الديمقراطية لا تشكك بالرؤية الإيديولوجية للنظام السياسي. فالحكومة مستعدة لإجراء نقاش عام محدود فقط، ذلك أنه بحسب اقتراح القانون ستوافق الحكومة على تمويل حصري للهيئات التي لا تشكك بطابع النظام السياسي القائم. وهذه في الواقع حرية تعبير من دون حرية، وتعبير من دون انتقاد.
اقتراح القانون هذا يضع أمام العرب في إسرائيل امكانيتين: التحول الفوري إلى صهاينة والموافقة على الأمر الواقع السياسي القائم، أو تتفسخ مؤسساتهم من الفقر. فقانون من هذا النوع لا يمكنه الوقوف أمام الاختبارات الديمقراطية لحقوق الانسان وحريته، وهو بالطبع لا يضمن المساواة. والادعاءات التي تفيد بأن هذا القانون يهدف إلى حماية الديمقراطية في إسرائيل ومنع انتحارها، في أحسن الأحوال ادعاءات كاذبة ومختلقة.
إن اتباع الحكومة سياسة مضادة لوجود مجال مفتوح من الأفكار، سيفضي إلى تراجع جوهري في العلاقات بين اليهود والعرب، وسيدفع كثيرين منهم إلى الغربة التامة عن الدولة، وسيجلب بالضرورة مخاطر حقيقية على وجود المجتمع الحر.
إن أولئك الذين يريدون باسم القانون الدفاع ظاهريا عن المجتمع في إسرائيل، إنما يلحقون بالمجتمع عارا مهولا. فمن البديهي أن الدولة لا يُفترض بها الدفاع عن أولئك الذين ينضمون إلى المنظمات الارهابية للعمل ضدها. لكن ثمة فارق كبير جدا ومسافة بعيدة بين هذا الأمر البديهي وبين التعبير عن الشكوك بطابع النظام السياسي في إسرائيل.
اقتراح القانون هذا سيدفع الأقلية تحديدا إلى زيادة اعتمادها على التمويل من الجهات الاسلامية الأصولية. فهل إن هذا الوضع سيعود بالنفع على أمن إسرائيل؟
أضف إلى ذلك أن فرض القانون لن يكون ممكنا. فلو أن جامعة اختارت، على سبيل المثال، عقد مؤتمر حول موضوع الدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها في إسرائيل: هل ستقوم وزارة المالية بحرمان هذه الجامعة من الميزانية؟ هل ستمنع الجامعات الإسرائيلية، والتي في معظمها جامعات عامة، تنظيم مظاهرت للطلاب الفلسطينيين؟ هل سيُفرض القانون أيضا على جماعة الحريديم التي لا تحترم يوم ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي؟ وفي المقابل، هل سيُحرم الحريديم غير الصهيونيين من الحصول على الميزانيات الخاصة عملا بنص هذا القانون؟ هل أن نطاق حرية التعبير سيكون منذ الآن خاضعا لاعتبارات موظفي وزارة المالية؟ بناء عليه، اقتراح قانون النكبة هو كارثة على دولة إسرائيل.
("يديعوت أحرونوت" 21/7/2009)




















