(المستقبل -)
ما كانت فعاليات الجامعة الصيفية التي عقدها "منبر الحرية" في الفترة من 9 إلى 16 تموز الجاري بمنتجع المهدية بالعاصمة المغربية الرباط، وبمشاركة نحو 40 شابا وفتاة من دول: مصر، ولبنان، والسودان، والأردن، والمغرب، وسوريا (في ما تغيّب عنها مشاركون من العراق وفلسطين لدواع أمنية!!)، حدَثا عاديا من حيث مبناه أو مبتغاه إذ كشفت المداولات التي دارت برحابها عن وعي شبابنا الممتاز بأهم قضايا العصر السياسية والثقافية والاجتماعية.
فعلى العكس من الصورة النمطية والسلبية التي تروجُ لها أغلبُ قنواتنا الإعلامية؛ بدا المشاركون على درجة عالية من الإلمام بأغلب الموضوعات التي طرحها المُحاضرون تحت عنوان "العالم العربي: حلول جديدة لمشاكل قديمة" وتناولوا فيها قضايا منها: الخطابات الدينية والليبرالية، العرب والعولمة، العرب وإدارة الأزمات، الشباب والحرية، إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في العالم العربي، هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، النخبة العربية وقضايا الإصلاح، مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي، …وغير ذلك.
شارك في إلقاء المحاضرات بصورة غير تقليدية، مع حفظ الألقاب، كلٌ من: إدريس لكريني، ويوسف تيبس، ونوح الهرموزي، وعزيز مشواط من المغرب، ومرح البقاعي من الولايات المتحدة الأميركية، ونعيم الضاهر من الأردن، وكاتب هذه السطور من مصر. وفي ما يلي نسجل بعضا من الملاحظات والانطباعات عن هذه الجامعة المهمة؛ خاصة وأنها ستنعقد للمرة الثانية في بيروت في الفترة من 25 إلى 30 أيلول المقبل.
في مداخلتي الأولى التي افتتحت بها أعمال الجامعة تحت عنوان: "ما يتعدى نفيَّ الآخر: كيف ترى الخطابات الدينية إلى الليبرالية؟!" لاحظتُ أن عددا كبيرا من المشاركين والمشاركات على درجة كبيرة من الوعي بالفارق الذي يقع ما بين مفهوميّ "الخطاب والنص الديني" وإشكالية توظيفه سياسيا. وقد بدا واضحا أن الفريق المشارك من لبنان عن تيار المستقبل (ست مشاركات ومشارك واحد) يهتم لهذه الإشكالية بحكم خصوصية الوضع الديني والسياسي ببلدهم. ومن ثم، كان لمداخلات هذا الفريق طابعه الخاص في ما يتعلق بهذه الإشكالية ممّا أثرى النقاش كثيرا، وفتح الباب واسعا أمام التعرف على طبيعة هذه القضية في أكثر من قطر عربيّ.
وكذلك الأمر في ما يتعلق بمداخلة الصديق إدريس لكريني بشأن تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية"، والتي أظهرت إلمام المشاركين المغاربة بمختلف منحنياتها وتطوراتها، فيما سمع عنها أغلب المشاركين الآخرين للمرة الأولى! ومن ثم أبدوا إعجابهم بها، على الرغم من بعض السلبيات التي شابت تطبيقها على أرض الواقع. وفي الحقيقة؛ لقد فتحت هذه المداخلة شهية المشاركين للحديث عن وضعية حقوق الإنسان في العالم العربيّ وكشفتْ، في الوقت نفسه، عن مسألة استقلال القضاء في كل من مصر ولبنان والمغرب على وجه الخصوص.
ولعلّ من أهم ما تمخضت عنه مشاركات الشباب هو النقاش الجيد الذي أدارته الأستاذة مرح البقاعي حول تصور الشباب العربي لمفهوم الحرية، والذي طُرح فيه عددٌ من التعريفات الإجرائية للمفهوم وتم الاختيار على أكثر تعريفيْن للحرية وهما:(1) الحرية هي اختيار ما نريد ضمن ضوابط توافقية، و (2) الحرية هي الانفتاح على الحياة دون قيود. حيث تم التصويت بأغلبية ساحقة على التعريف الأول الذي يُشدد على أهمية وجود مجموعة من الضوابط "التوافقية" للحرية؛ وإلا لتحولت إلى فوضى.
ورغم ذلك فإنني أفضلُ شخصيّا أنْ يلحق بالتعريف المذكور تعديلٌ من ناحية الصياغة ليُصبحَ على النحو التالي: "الحرية هي تحقق الإرادة الفردية على أرض الواقع ضمن ضوابط توافقية"، نظرًا لأن التعريف الأول يقتصر على مجرد "الاختيار"، وهو أمر قد يتعلق في الغالب الأعمّ بضمير وإرادة الفرد دون أن يتحقق على أرض الواقع نتيجة كوابح سياسية وثقافية. ومن ثم، يبدو التعديل المقترح بإدخال مقولة: "تحقق الإرادة الفردية" بمثابة مؤشر واقعي يضبط عملية التقييم والتصنيف لواقع ومساحات الحرية في الدول العربية؛ خاصة وأنه على الجانب الدستوري قد تتضمن بعض الدساتير نصوصا تؤكد هذه الحرية في ما يشهد الواقع العمليُّ تعطيلا أو التفافا عليها.
وفي الواقع لقد اختلفتُ كثيرًا في هذا الأمر لجهة ناحيتين: الأولى أنّ بعضهم يتحدث عن "المجتمع" و "الدين" و"السلطة"، في معرض حديثه عن كوابح الحرية، كما لو كانت هذه المُسميات "كائنات مُفارقة" مُنفصلة أشدّ الانفصال عن الفرد لا تجمعها به صلة!! الأمرُ الثاني، هو رفضيَ لمصطلح "الحرية المقيدة"!! فبحسب فهميَ الخاص ليس ثمة وجود لحرية مُقيدَة وأخرى غير مُقيدَة، وأنّ هذا الخلط هو من قبيل تعريف الشيء بنقيضه، وكأنك تعرف العدل بأنه الظلم!!
ومصدر اختلافي مع بعضهم هو أنهم يُصورونَ الضوابط التي يُتفق بشأنها من قِبل المجتمع وكأنّ "الفرد" لا يتدخل في وضعها أو الاتفاق عليها!! وهذا أمرٌ غير صحيح كليّة، فحتى مع الزعم بأن "السلطة السياسية" هي التي تضع تلك الضوابط؛ فإنّ ممثلي هذه السلطة هم في الأساس عبارة عن مجموعة من "الأفراد" أولا، ومُنتخبونَ من قِبل المُجتمع ثانيا.
إذن فالفردُ يُشاركُ في وضع الضوابط التي تحكُمُُ مَسار تطبيق الحرية في الواقع، وبيده أيضًا أن يُبدلها أو يُغيرُها. وفي كل الأحوال، فإنّ من إيجابيات هذا النقاش أنه أدى إلى الاتفاق على مفهوم للحرية المُنضبطةِ أولا، ورفضّ تحديد أو حصر الضوابط بالدين والعقل ثانيا مما يفتح المجال واسعا أمام المجتمعات العربية لتحديد ضوابطها الخاصة، وبما يتفق مع أعرافها وتقاليدها. فحتى على المستوى الفرديّ ربما يكون الضابط الخاص الذي يضْبط إيقاعَ تطبيق الحرية عائدًا بالأساس إلى "ضمير الفرد"، وتلك بحسبي- تمثل نقلة نوعية لمفهوم الحرية في تصورنا العربيّ المعاصر.
() كاتب وباحث مصري




















