بات بحكم المؤكد التئام أعمال المؤتمر العام السادس لحركة "فتح" في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية وسط هزات عنيفة ضربت البيت الفتحاوي بعيد إطلاق فاروق القدومي (أبو اللطف) تصريحاته الأخيرة التي مسّت شخص الرئيس محمود عباس وعدداً آخر من قيادات حركة "فتح". كما بات مؤكداً التئام أعمال المؤتمر وسط حيرة وارتباك عدد كبير من مندوبي المؤتمر البالغ عددهم قرابة 1550 مندوباً يمثلون تنظيمات حركة "فتح" وأقاليمها وساحاتها في الداخل والشتات. وقد انقسموا بين اتجاه مؤيد لعقده في بيت لحم مهما تكن الظروف والمعطيات. واتجاه الغالبية المتحفظ عن عقده في الداخل الفلسطيني لكنه في المقابل أعلن التزامه بقرار المجلس الثوري لحركة "فتح" الذي حدد المكان والزمان لانعقاد المؤتمر ومنهم مندوبو إقليم لبنان. واتجاه ثالث رافض بالكامل عقد المؤتمر في الداخل الفلسطيني، مستنداً الى حيثيات سياسية وتنظيمية ودستورية باعتبار أن تحديد مكان انعقاد المؤتمر تم "إسقاطه من الأعلى" من قبل المجلس الثوري للحركة، وتالياً تتخذه اللجنة التحضيرية المعنية بكامل التحضيرات التي تخص المؤتمر. ومن بين أنصار الاتجاه إياه أربعة أعضاء من اللجنة المركزية لحركة "فتح" هم فاروق القدومي (أبو اللطف)، هاني الحسن، اللواء محمد جهاد العامودي، محمد راتب غنيم (أبو ماهر) مفوض التعبئة والتنظيم في حركة "فتح"، إضافة الى بعض المجلس الثوري وقيادات بعض الأقاليم والساحات.
سيلتئم المؤتمر في بيت لحم كما هو مقرر، في ظل قصور التحضيرات التي رافقت أعمال اللجنة التحضيرية نتيجة الخلافات التي كانت قد ضربت أطنابها داخل اجتماعاتها طوال الفترة الماضية في العاصمة الأردنية عمان وخصوصاً في الأشهر الأخيرة. وهي اجتماعات لم تكن تخلو من المماحكات السياسية والتنظيمية بل والشخصية، حيث وصلت الأمور إلى تبادل الشتائم، وأحياناً استخدام الأيدي، كما حصل حين قام الفريق نصر يوسف (مصطفى البشتاوي) بلكز الحكم بلعاوي بعصا الماريشالية التي يحملها.
وبالنتيجة، تم سلق التحضيرات الضرورية لمؤتمر عام الحركة على عجل فيما تعاني حركة "فتح" من أوجاع وأثقال السنوات العشرين التي مضت منذ انعقاد مؤتمرها الماضي في العاصمة التونسية العام 1989.
وفي هذا المجال، يمكن القول إن ملاحظات جمة ترافق الآن الخطوات ما قبل الأخيرة لانعقاد مؤتمر "فتح" السادس في بيت لحم:
1 – إن تحضيرات المؤتمر التنظيمية القاعدية لم تكن كافية، فالعديد من الساحات والأقاليم لم تعقد مؤتمراتها النظامية بما في ذلك بعض أقاليم الضفة الغربية حيث توجد السلطة الفلسطينية وحتى غالبية الساحات الخارجية.
2 – طغيان منطق التعيين لعضوية المؤتمر بدلاً من انتخاب المندوبين بطريقة الاقتراع السري النظامية، وهو أمر يضعف من صدقية تمثيل القاعدة والمفاصل التحتية والوسطى لتنظيم الحركة. وترافقت عملية التعيين باستبدالات متوالية للأسماء
لأسباب مختلفة مما زاد من إضعاف صدقية التمثيل.
3 – تواضع أعداد مندوبي الشتات الفلسطيني في عضوية المؤتمر، خصوصاً إقليمي سوريا ولبنان واقتصار أعداد مندوبيهم على نحو (130) عضواً من أصل (1550)، وهما الاقليمان اللذان شكلا تاريخياً الحاضنة الأساسية لحركة "فتح" والخزان البشري لقاعدتها العسكرية والفدائية على امتداد سنوات الفعل الفلسطيني في الشتات، كما شكلا اداتها الضاربة إبان الانشقاقات التي طاولتها سنوات مابعد الرحيل الفلسطيني المسلح من بيروت عام 1982. ومقابل تحجيم حضور إقليمي سوريا ولبنان فان هناك حالة نفخ في تمثيل بعض المواقع والأجهزة الأمنية والعسكرية والملحقة على حساب القاعدة التنظيمية. فرقم عضوية المؤتمر مرتفع نسبياً ويوازي في تعداده عضوية المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني الذي يضم قرابة مئة مليون شيوعي في صفوفه.
4 – بروز سطوة بعض الأفراد من الجيل الثالث في الداخل الفلسطيني، من الذين باتوا يصولون ويجولون في أمر المؤتمر من ناحية السطوة على مصادر المال والقرار، والسطوة بالتدخل الدائم في تحديد أسماء الأعضاء والمندوبين ووضع الفيتو على من يريدون. وهو ما طرح العديد من الأسئلة حول صعودهم الصاروخي غير الطبيعي إلى المراتب المقرِّرة في حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية.
5 – صعوبة دخول بعض المندوبين من الشتات إلى فلسطين وعدم وجود ضمانات تحميهم من بطش الاحتلال، ومنهم أعضاء من المجلس الثوري مثل محمد داود عودة (أبو داود)، واللواء فتحي سلبت المطلوب لأجهزة أمن الاحتلال بشأن السفينة "كارين إيه"…
6 – كما أن انعقاد أعمال المؤتمر في بيت لحم يولّد شكوكاً متزايدة في مناخات سياسية تهيىء لوضع المؤتمرين أمامها، خصوصاً ان مصر كانت من الأطراف الإقليمية التي دفعت في اتجاه التئام المؤتمر في بيت لحم.
اذن المؤتمر سيعقد في ظروف فتحاوية متوترة وما سمي اصطلاحاً "القنبلة" التي ألقاها فاروق القدومي في ساحة حركة "فتح" الداخلية والساحة الفلسطينية عموماً، سيكون لها تأثيرات قد تدفع نحو اتخاذ إجراءات عقابية من جانب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وربما من اللجنة المركزية لحركة "فتح" بحقه، وذلك بحسب مصادر فلسطينية مطلعة بالرغم من أن بعض القيادات العاقلة في حركة "فتح" تسعى لتهدئة الأمور ولملمة الصف.
وفي هذا السياق يعتقد البعض من المغالين ومن أصحاب المصلحة في التوتير بأن الرئيس محمود عباس لا يمكن أن يضيع فرصة المؤتمر بعدما بانت تركيبته المنحازة له مئة في المئة من أجل التخفيف من وطأة حضور القدومي وتأثيره داخل حركة "فتح" باتخاذ قرار تنظيمي من داخل قاعات المؤتمر يعتبر أن "القدومي وضع نفسه خارج إطارات تنظيم "فتح" وبالتالي لم تعد له علاقة لا بالقرار ولا بالمؤسسة الفتحاوية.
وفي تقديري انه اذا تم اتخاذ القرار بالصيغة الواردة أعلاه فان الاحتقان داخل الجسم الفتحاوي سيزداد، وقد تصل إلى الأمور إلى خواتيم صعبة على مآلات حركة "فتح" المستقبلية في الداخل والشتات.
(كاتب فلسطيني)
"النهار"




















