ليس ثمة حاجة لقراءة وسماع التصريحات المتكررة الصادرة عن بنيامين نتنياهو وشركائه السياسيين ومساعديه ( لا سيما عوزي آراد) وضباط كبار كي نعرف أن وضع النظام في إيران وصورة التهديد النووي الإيراني، تحولا إلى اداة سياسية في يد هؤلاء الذين يكررون الشعارات التي تفيد أن النظام الإيراني الحالي سيحافظ على بقائه، وأنه سيتحول إلى المزيد من التطرف، وأن إيران ستمتلك قدرة نووية عسكرية وأنها لن تتردد في استخدامها بشكل مباشر أو بواسطة جهات ارهابية، وأنه ردا على ذلك ستبدأ الدول الأُخرى في الشرق الأوسط ببذل الجهود للتحول إلى قوة نووية أيضا، وهو ما من شأنه أن يتسبب بكارثة. وثمة مخاوف أكثر اعتدالا تصدر عن براك أوباما، نيكولا ساركوزي، أنجيلا ماركل، وسياسيين وجنرالات آخرين في الغرب والشرق الأوسط.
يدعي معظم المراقبين أنه في حال امتنعت الدول العظمى عن اتخاذ خطوات جوهرية لمنع امتلاك إيران للسلاح النووي، فإنه حتى لو تغير النظام هناك بشكل جوهري، لن تتوقف مساعي التحول إلى قوة نووية والتي هي عملية غير قابلة للتوقف، ذلك أنه حتى مسؤولي السلطة الأكثر ليبرالية في إيران لن يترددوا في استخدام السلاح النووي ضد كل من يكرهونهم لأسباب دينية وسياسية. وبحسب هؤلاء، تقف على رأس القائمة بالطبع الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولا سيما إسرائيل.
لا شك في أنه من المهم دفع إيران، مثل كل دولة آُخرى من دون أي صلة بطبيعة النظام القائم فيها، إلى وقف المشاريع النووية التي تفضي إلى امتلاك السلاح النووي. لكن حتى وإن لم تتم الاتصالات الديبلوماسية، التي تأمل الولايات المتحدة ودول آُخرى حصولها من أجل وقف عملية التحول النووي في إيران؛ وحتى إذا لم تؤد العقوبات التي ستُفرض على إيران، هذا إذا فُرضت بفعالية حقيقية، إلى التأثير على إيران؛ وحتى إذا لم تترك التهديدات العسكرية التي ستصدر أي انطباع لدى الزعماء الدينيين وعلى السياسيين هناك- يُطرح السؤال الأساسي جدا: هل تمثل إيران فعلا تهديدا وجوديا حقيقيا، وليس مجرد تهديد موهوم، على الدول المُهددة من قبل إيران، ولا سيما على إسرائيل؟.
الجواب هو أنه ثمة ثلاثة تحفظات أساسية إزاء هذه المخاوف المعلنة قبالة إيران. الأول: مثل كل دولة صغيرة أُخرى، تسعى إيران لامتلاك السلاح النووي من أجل ردع دول تملك هذا السلاح عن مهاجمتها. لذلك إذا لم تتعرض إيران لهجوم، فلن تشن أي هجوم؛ الثاني: ما تنويه إيران بشكل أساسي هو زيادة تأثيرها في العالم الاسلامي؛ الثالث، وهو الأكثر أهمية: باستثناء القنبلتين النوويتين، اللتين استخدمتهما الولايات المتحدة الديمقراطية والليبرالية تحديدا ومن دون أية ضرورة- لأن اليابان كانت على وشك الخضوع- لم تقم أي دولة تملك سلاحا نوويا باستخدام هذا السلاح.
الأسباب الإضافية لعدم استخدام السلاح النووي كثيرة. السبب المركزي هو خشية هذه الدول، وفي المستقبل إيران أيضا، من رد الدول النووية. فحتى لو أن دولة ما، بما في ذلك إسرائيل، ضُربت بسلاح نووي إيراني، فسيكون هناك دول أُخرى ترد بقوة؛ ليس بسبب الضرر الذي لحق بالدول التي أُصيبت، بل واساسا بسبب الخشية من تعرضها هي للضربة النووية ايضا. وثمة اسباب أُخرى لعدم استخدام السلاح النووي من بينها الاعتبارات الأخلاقية، المخاوف من المس بالحلفاء في منطقة النزاع وغيرها من الأسباب.
الخلاصة هي أنه حتى لو امتلكت إيران السلاح النووي، فإنها لن تشكل بذلك تهديدا وجوديا خطيرا على دول أخرى، ولا حتى على إسرائيل. ويجدر بالسياسيين ورجال المؤسسة الأمنية الإسرائيليين أن يأخذوا في الحسبان هذه الاعتبارات وأن يكفوا عن نشر الكلام حول وجود مثل هذا الخطر وعن عملية عسكرية ضد إيران.
حتى لو لم يكن التهديد الإيراني موهوما بشكل كلي، إلا أنه ضبابي تماما، ويجدر بالجمهور الإسرائيلي أن يدرك ذلك، وأن لا يسمح بجره إلى تأييد عملية عسكرية مدمرة.
("هآرتس" 24/7/2009)
( بروفيسور محاضر في العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















