الصورة التي رسمها أحدث تقرير للتنمية البشرية في الوطن العربي لهذا العام، تحت عنوان «تحديات أمن الإنسان على التنمية»، لها جانبان: جانب من الصورة العامة مضيء، يشير إلى تقدم ترتيب عدد من الدول العربية بين 179 دولة في العالم عن التقرير السابق لعام 2007، مما يشير إلى أن جزءًا كبيرا من سلبيات الأداء الحكومي في التقرير السابق خضع للمعالجة في الطريق إلى تجاوزها..
وفي هذا الجانب من الصورة، مقارنة بالتقرير السابق، يرصد التقرير مثلا تقدم ترتيب دولة الإمارات العربية المتحدة 8 درجات، أي إلى الدرجة 31 بدلا من الدرجة 39 بين دول العالم، ولتحتل المرتبة الثانية بين دول مجلس التعاون التي تقدمت جميعها بدرجات متفاوتة، وفي هذا ما يشير إلى الجهود التي بذلت في مجالات التنمية البشرية، فيما حافظت الكويت على ترتيبها الأول بين دول المجلس، متقدمة 4 درجات إلى الدرجة 29 بين دول العالم بدلا من الدرجة ,33.
وجاءت البحرين في المركز الثالث بين دول المجلس، متقدمة 9 درجات إلى الدرجة 32 بدلا من الدرجة 41، وحلت قطر في المركز الرابع خليجيا متقدمة درجة واحدة إلى الدرجة 34، تليها عمان في المركز الخامس خليجيا متقدمة 5 درجات إلى الدرجة 53، وفي المركز السادس تأتي السعودية متقدمة 6 درجات إلى المركز 55، بدلا من المركز 61 بين دول العالم.
وفي الجانب المضيء من الصورة، رصد التقرير ما وصفه بالتقصير الكبير في أداء الحكومات العربية لضمان أمن شعوبها، بدءًا من الدساتير التي لا تلتزم بالمعايير الدولية، بما يفرغ النصوص المتعلقة بالحقوق الإنسانية والحريات المدنية العامة من مضامينها، وهو ما جعل أغلبية الدول العربية ـ بحسب التقرير ـ تخفق في تطوير الحكم الرشيد ومؤسسات التمثيل الشعبي القادرة على ضمان المشاركة المتوازنة لكافة الفئات.
وتم تقييم أداء الحكومات العربية في هذا التقرير على أساس أربعة معايير، هي «مدى رضى المواطنين عن سياسات حكوماتهم، ومدى التزام الدولة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وكيفية إدارتها لاحتكار حق استخدام القوة والإكراه، ومدى قدرة الرقابة المتبادلة بين المؤسسات الشعبية والحكومية على الحد من إساءة استخدام السلطة»، مشيرا إلى أن التجاوز أو التقصير في تطبيق هذه المعايير بما يخل بضمان الحقوق والحريات، «يجعل من الدولة مصدرا لتهديد أمن الإنسان بدلا من أن يكون سندا له».
ثم يورد التقرير في ترتيب متأخر، التأثير السلبي للاحتلال الأجنبي كمصدر خطير لتهديد أمن الإنسان العربي، مع ملاحظة أن الاحتلال الصهيوني في فلسطين والأميركي في العراق، كان من المفروض وضعه كأول مصادر التهديد لأمن الإنسان والأوطان، فهو المسؤول عن عرقلة التنمية وعن التخلف والفقر والجوع والفتن العرقية والمذهبية، لكن هذا التقرير أسقط العراق وأفغانستان من بين الدول الاثنتين والعشرين التي لم تدخل في التقييم، بحجة عدم الحصول على بيانات موثوقة!
كما يتحمل الاحتلال مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان وقمع الحريات، وخلق معاناة اللاجئين والنازحين في الوطن العربي بأكبر عدد ولأطول زمن، حيث يبلغ عدد لاجئيه ونازحيه الفلسطينيين والعراقيين والصوماليين والسودانيين وغيرهم، سبعة ملايين ونصف مليون لاجئ، وتسعة ملايين نازح بما يمثل نصف عدد اللاجئين في العالم.. وفي النهاية يتحمل الاحتلال مسؤولية انعدام الأمن الوطني، مما ينعكس سلبا على أمن الإنسان في المنطقة العربية.
"البيان"




















