بدا واضحا الآن أن لبنان، الذي بدأ تدريجيا عبر الحوار الوطني وبالرعاية العربية عهده الجديد برئاسة الرئيس ميشيل سليمان الذي توافق عليه جل اللبنانيين، قد تجاوز مرحلة من الانقسام كادت تعصف به، ودخل مرحلة جديدة في رحلة العودة إلى ثوابته الوطنية وقواعده السياسية وآلياته التقليدية الفريدة.
وذلك بعد عبوره مرحلة الأزمة السياسية، وصولا إلى إنجاز الانتخابات الرئاسية والنيابية، وبعدما أعلن عنه مؤخرا رئيس البرلمان المنتخب نبيه بري، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، من عبور فترة التكليف الوزاري بنجاح، باتفاق التيارين السياسيين، وصولا إلى قرب إنجاز التأليف الوزاري بعد إتمام الاتفاق على محددات البيان الوزاري، باتفاق التيارين معا على حكومة وحدة وطنية لكل لبنان وبمشاركة كل القوى السياسية.
لبنان لم يخرج من أزماته السياسية بما فتح الطريق إلى نجاح توافقاته وتحمل مسؤولياته، إلا تحت شعارات عاش بها في الماضي ولا عيش له إلا بها في الحاضر، مثل لا غالب ولا مغلوب، ولا رابح ولا خاسر، ولا أغلبية ولا أقلية، ولا ثلث للمعارضة يعطل قرار الأغلبية، ولا ثلثان للموالاة لفرض القرار على الأقلية، بل مشاركة لكل تياراته السياسية الائتلافية في حكومة وحدة وطنية، برعاية وبضمانة رئيس الجمهورية.
ذلك أن واقع لبنان المتنوع والمتعدد والمتشابك طائفيا ومذهبيا وسياسيا، لا يتيح لقوة واحدة أو لتيار واحد بالأغلبية أو الأقلية أن ينفرد بحكم لبنان. فلبنان في البداية والنهاية محكوم بالتوافق الوطني، وصيغته الدستورية والديمقراطية تفرض على الجميع المشاركة على أساس التعايش السياسي والعيش المشترك.
فبالرغم من أن القواعد الديمقراطية التقليدية في الدول الديمقراطية، تقوم على قاعدة أن الأغلبية تحكم والأقلية تعارض، وبالرغم من فوز ائتلاف قوى الرابع عشر من آذار بالأغلبية النيابية، وعدم ممانعة الدستور اللبناني لأن تنفرد الأغلبية الفائزة بتشكيل الحكومة، فلم تنفرد الأغلبية بتشكيل الحكومة اللبنانية، لأن الواقع السياسي اللبناني فرض في الماضي كما يفرض في الحاضر، صيغة سياسية متوارثة فريدة لحكم لبنان، الذي تقوم ديمقراطيته غير التقليدية على قاعدة التوافقية والمشاركة السياسية والاعتماد على الائتلاف لإدارة الاختلاف.
وعلى مدى ثلاثين يوما، ظلت الخلافات والمشاورات حول تشكيل الحكومة الجديدة بين «الموالاة» و«المعارضة»، أو لنقل بين «الأكثرية» و»الأقلية»، تواجه ثلاثة خيارات متعارضة، الأول هو أن تحكم الأكثرية وتعارض الأغلبية، وهو ما بدا مقبولا من الأقلية وصعبا على الأغلبية لما سينتج عنه من توتر يصيب الحياة السياسية، والثاني هو الحكومة الائتلافية على أساس المشاركة النسبية تبعا للنتائج الانتخابية والتمثيل النيابي، وهو ما يقترب من المناصفة وما طرحته الأقلية ورفضته الأغلبية، والثالث هو حكومة الوحدة الوطنية مع إعطاء الأقلية نسبة الثلث + 1 بما يمنع الأغلبية من امتلاك أغلبية الثلثين وانفراد بالقرارات المصيرية.
وما أعلن عنه أخيرا بعد مفاوضات ومشاورات صعبة لبنانيا، وبعد مداخلات عربية سعودية وسورية حميدة، وتدخلات غربية أميركية وفرنسية، بل وتصريحات وتهديدات إسرائيلية رفضتها القوى السياسية اللبنانية، هو توافق الجميع على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بصيغة لم تأخذ بأي من الخيارات الثلاثة السابقة، وذلك بمنع الأغلبية من الانفراد بالقرارات المصيرية دون نصاب الثلثين، ومنع الأقلية من التحكم بتعطيل القرارات المصيرية دون حصولها الثلث + 1، ومنح رئيس الجمهورية اختيار خمسة وزراء يكون منهم الضامن والمرجح للقرارات الوطنية الكبرى، لنخرج من مرحلة التكليف إلى التأليف، بلا ثلث ولا ثلثين.
"البيان"




















