المستقبل –
عندما استولى آية الله الخميني على السلطة عام 1979 انتقلت إيران من نمط استبدادي فردي امبراطوري، إلى نمط ثيوقراطي للحكم، يدمج الدين بالسياسة، ويسبغ العصمة على (ولي الفقيه) التي لم يمنحها الفقه الشيعي من قبل إلاَّ للأئمة الإثني عشر، فارتفع الحاكم: المرشد الأعلى فوق مستوى المساءلة والشأن البشري الدنيوي، و مفهوم الشعب .
غير إن تعلَق ذاكرة الشعب الإيراني بالتجربة الدستورية لثورة المشروطية لعام 1905فرضت نفسها على الحاكمين جزئياً، إذ ظلت مسألة العودة إلى الدستور بمثابة القاسم المشترك بين سائر التيارات السياسية الإيرانية، فقبلت السلطة القوالب الخارجية للمؤسسات الدستورية بعد إفراغها من مضامينها ومرجعياتها. فبادر الإمام الخميني الى إصدار دستور مؤقت، وجرى تثبيته في استفتاء شعبي عام 1981. أما المسألة الثانية التي تميزت بها الثورة الإسلامية الإيرانية عن الانقلابيين العرب، فقد تمثلت في تلك التجربة الجماهيرية الزاخرة والتي أستمرت أكثر من عام، أقام فيها الملايين في الشارع من أجل إسقاط نظام الشاه, وبذلك ما عاد ممكنا ً إغفال مشاركة الجمهور الذي صنع الثورة، لهذا برزت الطبيعة المركبة في طرائق تدوين الدستور الإيراني ,وفي تقسيم للسلطات والصلاحيات وتعدد الأجهزة الوسيطة بين البرلمان وولي الفقيه, والتوتر الداخلي في توزيع السلطات بين الرمزي (الشرعي) والمصلحي (التمثيلي) والتدبيري(التنظيمي والإداري )، مع الإبقاء على الصيغة الشمولية الدينة للحكم ممثلة بالسلطة غير المحدودة للمرشد التي تخترق كافة السلطات وتعلو عليها.
وعلى الرغم من الصعوبات الكبرى التي واجهتها الثورة الإسلامية في إيران منذ أيامها الأولى (انقلاب الثورة على حلفائها من اليسار العلماني، ومن اليسار الديني، والكتلة الوطنية من ورثة مصدق، ومواجهة تبعات الحرب مع العراق التي امتدت طويلاً)، استطاع الإمام الخميني أن يحتفظ بموقعه القيادي والمرجعي الديني والدنيوي للدولة والمجتمع، وأن يضع مداميك "الحكومة الإسلامية" وأسس بناء السلطة الجديدة وطريقة عمل مؤسساتها.
لم تستطع السلطة أن تملآ الفراغ الذي تركه غياب الإمام الخميني عام 1989، الذي أبعد آية الله حسين منتظري المرشح الأقوى لخلافته، قبل أسابيع من وفاته، لذا ثار جدل صاخب حول أهلية خامئني لخلافة الخميني، وحول أهليته كمرجعية دينية، فهو لم يرتقِ بعد إلى مرتبة (آية الله العظمى) المخصصة للفقيه الجامع لشروط الإفتاء، لهذا قام رفسنجاني بدور حاسم في إيصال الخامئني إلى منصب "ولاية الفقيه" المرشد العام للثورة. ومن ثم أتت الظروف الإقليمية المواتية لتساعد في استتباب الولاية للسيد خامئني، وأيضاً لرفسنجاني من موقعه في رئاسة الجمهورية، إذ قدّمت القيادة العراقية الحمقاء غزوها الكويت، وما أعقبها من مصائب، فرصة لا تعوّض للقيادة الإيرانية ولإيران نفسها لتعزيز مواقعها على حساب العراق والعرب عموماً، فخبا الجدل حول أحقية الخامئني، بعد النجاح الذي بدأت تحرزه إيران وقيادتها في المجال الإقليمي على قدر الإخفاقات التي بدأت تلف سياسات القيادة العراقية، فبدت إيران وكأنها شبه منتصرة في الحرب على العراق، وهي التي قبلت أيام الخميني صاغرة وقف اطلاق النار مع الجيوش العراقية.
فقد قدَّم النظام العراقي، في غزوه الكويت، فرصة لإيران لترتيب أوضاعها الداخلية ولاستعادة علاقاتها مع العالم، فأصبحت قبلة لجميع الأطراف العربية والأجنبية بعد أن بدت إيران آنئذ ألأقل خطراً بالمقارنة مع النظام العراقي المغامر، واستعادت ثقتها بذاتها وغسلت عن وجهها علائم الهزيمة إذ أعاد لها صدام جميع أراضيها المحتلة بدون مقابل، فصب كل ذلك لصالح النسق القيادي الجديد وتراجع النقاش حول أهلية المرشد الجديد، ما لبثت إيران أن تلقت هدية أخرى، هذه المرة من أميركا عندما أطاحت بعدويها الاستراتيجيين في العراق وأفغانستان، وسلّمت حلفاء إيران حكم العراق، فبدأ بالفعل العصر الذهبي لإيران، وهو ما دفع قياداتها لترفع من سقف مشاريعها في ظل تباعد أميركي عن العرب جميعاً بدواعي الديموقراطية ولإبعاد العراق عنهم، في الوقت الذي تركت فيه إيران تفعل ما تشاء فيه.
في هذا المناخ تم اختيار الخامئني للسيد نجاد لرئاسة الجمهورية، ليكون واجهة خطابية له ولسياساته، غير إن كلملوجيا نجاد الصاخبة ومن ورائها جهوده في مجال صناعة القوة والتضييق على المجتمع لم تحصد من ورائها إيران سوى المزيد من العزلة والبطالة وانسداد الأفق، ولاسيما للأجيال الجديدة، التي باتت تُدرك خطورة النزعة الحربجية الإمبراطورية تجاه الجوار العربي والعالم، و خطورة انعكاساتها ذات الطبيعة الفاشية على الداخل.
كان الكيل قد طفح عندما حان الموسم الانتخابي الرئاسي، فاغتنم الشعب الإيراني وشبابه الفرصة ليؤكد عبر مشاركته الواسعة على اختياره المستقبل والانفتاح على العالم والعيش بكرامة وحرية، ونبذ عهد نجاة برمته، غير إن النتيجة (الرسمية) صدمت آماله العظام وسرقت أحلامه الكبيرة تلك. لكن بعد أن أخرجت الانتخابات الملايين إلى حلبة السياسة صار من الصعب إرجاعهم إلى القمقم، فهب الإيرانيون يصرخون: أين صوتي؟ ومع الأيام تخطت حركة الشعب الإيراني حدود مسألة تزوير الانتخابية، لاسيما في أعقاب وقوف ولي الفقيه في وجهها ودعمه لفوز نجاد، لتستهدف معاني السلطة الثيوقراطية ولتفتح بذلت فصلاُ جديداً مرماه الرئيسي الشروع في بناء الدولة المدنية الديموقراطية.




















