يُشّبه الفساد ، بالضبط ، بالسرطان الذي يبتلى به جسم الإنسان والذي إذا لم يكتشف ويعالج مبكرا فإنه ينهش بجسم الإنسان حتى يموت. إذن الفساد بمفهومه الشامل هو مرض اجتماعي خطير جدا إذا انتشر في أي مجتمع انهار المجتمع بجميع مؤسساته العامة والخاصة مما يؤدي بشكل حتمي إلى زعزعة امن واستقرار أي بلد في العالم.
الفساد مرة أخرى خلل اجتماعي ينبغي بل يجب التنبه له ومعالجته بكل حزم وبحكمة وبدون إبطاء، أي بشكل سريع ، ولكن لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بتكاتف الحكومات مع شعوبها لمعرفة مكمن الخلل ومكمن العلة ومتى ما عرف ذلك فإن عملية الإصلاح سهلة وميسرة ولا تستغرق وقتا طويلا فكل ما في الموضوع هو بتر ذلك العضو الفاسد سواء كان ذلك العضو رجلا مسؤولا أو صاحب نفوذ أو غيرهم أو كان نظاما فاسدا أو قانونا أكل عليه الزمن و شرب أو غيرها من معوقات التنمية في المجتمعات .
المشكلة التي تعاني منها المجتمعات النامية بشكل عام أو ما يطلق عليها دول العالم الثالث تكمن في غياب الرقابة والتقييم والقوانين الصارمة ، بعبارة أخرى عدم وجود المشرعين الذين يقومون بحماية حقوق الافراد وحقوق المجتمع ، هذا الغياب الكامل لهؤلاء المشرعين إضافة إلى مركزية الأعمال في جميع مؤسسات المجتمعات وبخاصة الحكومية منها أدى إلى بروز ظواهر مرضية منحرفة ، فالرشاوى والغش والتزييف والتزوير وعدم انتقاء الكفاءات المؤهلة الجديرة بإصلاح وخدمة المجتمع وغياب العدالة الاجتماعية وعدم وجود محاسبة فاعلة للمقصرين المؤتمنين على المال العام إلى جانب انتشار الواسطات في جميع مناحي الحياة هي بعض من مظاهر الفساد التي تعاني منها الدول النامية بدون استثناء.
عندما ينتشر الفساد في المجتمعات ترتفع وتيرة عدم الثقة ما بين الشعوب وحكوماتها وتبدأ ترتفع الأصوات المنادية بالإصلاح ، البعض من تلك الأصوات تهدف من رفع صوتها إلى التعريف بنفسها من اجل الحصول على مكاسب شخصية والتحريض على الفتنة والإخلال بالنظام العام مستغلين أزمة الثقة ما بين الشعوب وحكوماتها، والفئة الأخرى هدفها الإصلاح وربط جسور قوية ما بين تلك الشعوب وحكوماتها أي بمعنى آخر تنادي بالاصلاح من اجل بقاء واستمرارية تلك الحكومات والأنظمة.
هنا يأتي دور تلك الحكومات في التفريق ما بين تلك الأصوات المرتفعة لمعرفة أصحاب المقاصد السيئة وأصحاب المقاصد الحسنة التي تنادي بالإصلاح ، ومتى ما نجحت تلك الحكومات في معرفة ذلك تكون تلك الحكومات قد بدأت بأول خطوات الإصلاح الفعلي وبذلك تقطع الطريق أمام الباحثين عن ادوار لهم فقط.
واقع الحال يقول إن كلمة الإصلاح كلمة مخيفة لغالبية الحكومات إن لم تكن مرعبة لها والسبب يعود إلى أزمة الثقة ما بين تلك الحكومات وشعوبها كما أسلفنا فالحكومات أمام أمرين لا ثالث لهما فهي إما أن تستحوذ على كل شيء وبالتالي بلاشك سوف تفقد في النهاية كل شيء أو تتنازل عن أمور تصلح مجتمعاتها وبذلك تحتفظ وتستمر بتماسكها وقدرتها على تجاوز أزمة الثقة بينها وبين شعوبها حينما تجعل شعوبها تشاركها في اتخاذ القرارات ، وهنا تتخلص تلك الحكومات وترتاح من أية ضغوطات داخلية أو خارجية وهي الأكثر عندما تمارس عليها وتقول بكل قوة وثقة كلمة «لا» لان هناك شعوبا تقف وراءها وتشاركها اتخاذ القرارات ، بعبارة أخرى إن هناك شعوبا تتحمل المسؤوليات كاملة وبالتالي لا تجرؤ الدول الكبرى أو الصغرى على ممارسة ضغوطات عليها أو ابتزازها عندما تعرف أن وراء تلك الحكومات شعوبا والعراق شاخص أمامنا عندما وجد الغرب الفجوة وأزمة الثقة بين الرئيس صدام وشعبه واستغلها في القضاء عليه واحتلال بلده.
ما نريد قوله إن الفساد بجميع أنواعه وأشكاله ووسائله يجب أن يجتث من أي مجتمع إذا أرادت تلك المجتمعات التي ينتشر فيها الفساد أن تنعم بالأمن والاستقرار وتنهض نهوضا صحيحا في مجالات التنمية المتعددة ويكون لها شان واعتبار وتحترم من قبل دول العالم .
ولكن في المقابل فإن على الشعوب أن تحترم حكوماتها وتلتف حولها لكي تكّون جبهة داخلية متماسكة يصعب على المتربصين بها اختراقها وزعزعتها وبذلك تفوت الفرصة على الذين يصطادون بالماء العكر باسم الإصلاح والقضاء على الفساد.
ما أحوجنا إلى تكاتف شعوب المجتمعات العربية والإسلامية مع حكوماتها لتفويت الفرصة على كل عابث وحاقد وصاحب نوايا سيئة يلبس عباءة الإصلاح ويجعلها مطية له .




















