المستقبل –
للوهلة الأولى يبدو أن الدين والديموقراطية يقعان على طرفي نقيض. ذلك أن الدين، في تراث الأديان التوحيدية القائلة بالوحي الإلهي، إنما يقوم على سلطة فوقية، هي سلطة الله، وانّ كل سلطة بشرية إنما هي مستمدة من تفويض إلهي، فيكون الحاكم بمثابة خليفة الله في الأرض أو ممثله والقائم بأعماله والموكل إليه تنفيذ تدبيره في حياة الناس والشعوب. في المقابل، تعني الديموقراطية، بناء على أصلها اليوناني (demos) و(kratos) سلطة الشعب، تتنوّع أشكالها بتنوّع الشعوب التي اتخذتها نظاماً للحياة الجماعية. لكن التاريخ، وبالأخص تاريخ بعض البلدان الأوروبية والغربية، عبر محطاته الكبرى، خلص إلى شكل من التوافق بين القيم الدينية والقيم الديموقراطية. وفي بعض الأوطان العربية، ومنها لبنان، يبدو أنه لا صراع بين الدين ونظامه الديموقراطي. وذلك حتى في نظر المطالبين بالانتقال من النظام السياسي الطوائفي إلى المجتمع المدني عند بعضٍ منهم، أو إلى العلمانية في شكلها الفرنسي أي بمعنى الفصل بين الدين أو الأديان والدولة، عند البعض الآخر منهم. تجدر الإشارة، في ما خصّ لبنان، إلى الفرق بين الدين والطائفة، ذلك ان الطائفة، وإن تكوّنت على أساس الانتماء إلى دين أو مذهب ديني معين، تحوّلت إلى جماعة سياسية لها حقوق في تكوين النظام السياسي اللبناني. فقد يكون الفصل بين الدين والطائفة كأنه مقدمة للفصل بين الدين والدولة!
يسجل المؤلف مرحلة الخروج من الدين، ويتحفّظ على استعمال لفظة الدنيوة (secularisation) ولفظة العلمنة (laicisation). ويسجّل ايضاً محاولات ابتداع ما يقوم مقام الدين والتحوّلات من الدين إلى التدين وبالمقابل يسجّل تحولات في قيم الديموقراطية وفي ممارستها. ويرى ان التحولات تفضي، إن في الدين أو في الدولة، إلى التركيز على الفرد. ذلك ان الوضع كان ذوبان الفرد في جماعته الدينية وجماعته السياسية، فلما برزت امارات الحداثة وما تميّزت به من إعلان حقوق الإنسان، كانت الخطوة الأولى جعل مدينة الإنسان يصنعها الإنسان. إلا أن الإنسان ليس وحدة متراصّة، فهو متدّين وهو أيضاً مواطن. فصار السؤال كيف يكون المتديّن مواطناً. ثم لما صار الفصل بين الدين والدولة، صار ايضاً الفصل بين المجتمع المدني والدولة، ثم الفصل بين المجتمع والفرد. فهل تكون الدولة أداة في خدمة المجتمع المدني، ويكون المجتمع أداة في خدمة الأفراد؟ وهل يمكن التوفيق بين كون الإنسان فرداً وكونه مواطناً؟ فمنهم مَن قال بأنّ الإنسان لا يكتمل إلا متى كان مواطناً.
إلى هذه النزعة إلى الفردانيّة في الدين وفي الدولة، بما كان تحوّلاً من الدين إلى التديّن، ومن الشأن العام إلى الشأن الخاص، ثمّة حاجة الفرد إلى قواعد سلوكية، وحاجة الدولة إلى معنى وقيم، أي إلى ما يبرّر سلطتها ووجودها. فكانت العودة من الحداثة إلى التراث، ومن الخروج من الدين ومن تقليص دور الدين في حياة الناس والمجتمعات والدول إلى المخزون الديني للقيم، وخصوصاً الأخلاقية منها، طلباً للشعور بالهوية والوجود.
فإذا طبّقنا هذه المسيرة التاريخية على حالة بلد عربي هو لبنان، وجدنا، من جهة، بوادر المطالبة بفصل الدين عن الدولة وبالاحترام المطلق لحقوق الإنسان والمواطن، وخصوصاً للحق ـ والحق يعني الحرية (في الاعتقاد والرأي والتعبير)، أساساً للاختلاف في الانتماء الديني والمذهبي والايديولوجي، ـ ومن جهة أخرى عودة ظاهرة إلى قيم الدين، إلى جوهره وتفاصيله، طلباً لوجود شخصي ومجتمعي ودولتي متميز بخصوصيته وهويته، وغير خاضع للقوى المهيمنة في عالم صار نظامه نظام السوق.
في هذا يتبين ان من الثوابت الحاجة إلى قيم تكون قواعد لسلوك الفرد ولحسن استعماله لحريته ولانسجام مكوّنات المجتمع بحيث لا تكون فئة منه تهيمن على ما عداها، ولقيام الدولة بدور الحكم غير المنحاز في خدمة التجمعات، المذهبية والايديولوجية، وفي خدمة الأفراد. وأيضاً أنّ من الثوابت كون حركة التاريخ كرّاً وفرّاً. فبعد أن كان الدين يفرض مقوّماته على النظام السياسي، أخذ الدين في مرحلة تالية يفقد سيطرته بفعل تقدم الثقافة وردّاً لما قام به القيّمون على الدين من طغيان ومعاملات فاسدة. وبعد مرحلة تقهقر تسلّط الدين، وتماشياً مع ما صحّ من مطالب الناس في حرية التصرّف ووضع نظام سياسي مستقل، ظهرت بوادر عودة إلى الدين في شكل الأخذ بقيمه الثابتة، الأخلاقية منها خصوصاً.
فمتى كان السؤال هل يمكن التوفيق بين قيم الدين وقيم الديموقراطية، قد يكون الجواب بالإيجاب، لكون الشعب الذي له أن يحكم نفسه بنفسه، بعد أن انتقل من إمرة المتسلّطين عليه إلى إمرة النفس، لكونه يطلب ما به يشعر بأن حياته، أي حياة كل فرد من أفراده، لها معنى يجعلها صالحة للوجود، ولكونه غالباً ما يتطلب هذا المعنى في القيم الدينية الموروثة. وفي ذلك دلالة على إمكان التوفيق بين التراث والحداثة، على أن يكون توفيقاً بين الغايات والوسائل أي بين معنى الحياة وتقنية الحياة.
[ الكتاب: الدين في الديموقراطية
[ الكاتب: مارسيل غوشيه
[ الناشر: فوليو، باريس (بالفرنسية) 2008




















