رنده حيدر
يشهد لبنان منذ فترة تصاعداً في وتيرة التهديدات الإسرائيلية باحتمال انفجار الوضع على الحدود مع لبنان، وتجدد المواجهات العسكرية مع"حزب الله"، وآخرها التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع إيهود باراك والتي حمّل فيها الحكومة اللبنانية مسؤولية أي تدهور يقع على الحدود، والتحقيق الذي نشرته جريدة "التايمس" عن سلاح"حزب الله" وما قاله قائد المنطقة الشمالية ألون فريدمان للصحيفة بأن الوضع على الحدود مع لبنان قابل جداً للإنفجار.
والحق أن من يتابع بدقة تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ومواقفهم لا بد ان يلاحظ التحول الذي طرأ عليها خلال الشهر الأخير أو لمزيد من الدقة بعد انفجار مخزن الذخيرة في خربة سلم منتصف الشهر الماضي. ففي الذكرى الثالثة لحرب تموز كان الكلام الإسرائيلي عن الهدوء الهش والحذر الذي لم تعرفه الحدود مع لبنان منذ أكثر من أربعين عاماً. ولكن اللهجة تغيرت مباشرة بعد إنفجار خربة سلم ومحاولة "حزب الله" منع القوات الدولية التحقيق في الحادثة، والتقرير الذي قدمته السلطات اللبنانية والذي جاء فيه أن الإنفجار طاول قنابل إسرائيلية غير منفجرة تعود الى عام 2006، في الوقت الذي يقول الجيش الإسرائيلي انه اعطى أشرطة مصورة لصحيفة "التايمس" تُظهر مقاتلين تابعين للحزب يُخرجون عشرات صواريخ الكاتيوشا من المخزن بعد مرور ثلاثة أسابيع على الإنفجار.
وتزامن هذا التصعيد الكلامي الإسرائيلي مع تصعيد آخر من جانب قادة "حزب الله" سواء عبر الخطب التي ألقاها الأمين العام للحزب والتي أعاد فيها التذكير بوجود أسير لبناني حي لدى إسرائيل هو يحيى سكاف، وتحذير نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم قبل شهر أنه في حال قُصفت الضاحية الجنوبية فإن الرد سيكون بقصف تل أبيب. وفي الواقع فإن التهديدات الإسرائيلية تهدف الى إبقاء مستوى من التوتر المضبوط مع الحزب، وإستغلال انفجار خربة سلم من أجل التحريض على "حزب الله" دولياً وإحراج الدولة اللبنانية وقوات الطوارىء واتهامهما بعدم تطبيق القرار 1701.
ولكن مع ذلك ثمة دافع آخر لتصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية يعود، كما يقول فريدمان، الى احتمال إدخال "حزب الله" نوعاً متطوراً من الصواريخ المضادة للطائرات من طراز أس -أ8، والتي تشكل خطراً مباشراً على الطائرات الإسرائيلية. وقد هدد الجيش الإسرائيلي صراحة على لسان فريدمان الحزب أنه في حال حصوله على هذه الصواريخ التي يتدرب عليها في سوريا فإن إسرائيل لن تتردد في تدميرها.
ليس سراً تخوف إسرائيل من تعاظم القوة العسكرية لـ"حزب الله". ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية يملك الحزب اليوم أكثر من 40 ألف صاروخ بعضها قادر على الوصول الى تل أبيب، والسؤال الأساس الذي يطرحه اللبنانيون على أنفسهم اليوم مدى خطورة هذه التهديدات وهل فعلاً نحن أمام تجدد المواجهات بين إسرائيل و"حزب الله" في وقت قريب؟
هنا تجدر الإشارة الى ان المسؤولين في إسرائيل يزاوجون دائماً بين التهديدات بالحرب والكلام على ضرورة المحافظة على الهدوء الهش. كأنما هناك توزيع أدوار بين كلام الحرب والتهدئة لإثارة حالة من عدم اليقين وإشعار الخصم، أي "حزب الله"، ومعه الحكومة اللبنانية بأنها لن تتساهل مع أي تحدٍ لها. وهذا أسلوب شائع في سياسة الردع الوقائي الاسرائيلية، فكلما ارتفعت وتيرة التهديدات كلما كبرت المخاوف لدى الطرف الآخر من ثمن المواجهة في حال حصولها. من ناحية أخرى ثمة توجه جديد في إسرائيل بعد حرب تموز نحو تضخيم المخاطر المتأتية من "حزب الله" وميل واضح الى توريط السلطات اللبنانية بما يجري على الحدود مع إسرائيل، لا سيما بعد التطورات السياسية الداخلية التي شهدها لبنان وإدراك إسرائيل ان الخسارة التي مني الحزب بها في الإنتخابات النيابية الأخيرة لم تنعكس سلباً على نفوذه السياسي بل على العكس فإنها عززت سيطرته السياسية على مقاليد الحكم.
رغم كل هذا، من الصعب أن تنفذ إسرائيل تهديداتها في ظل الظروف الحالية، إلا في حال قيام الحزب بعملية جديدة ضد إسرائيل، أو توجيه إسرائيل ضربة عسكرية للمنشآت النووية في إيران.




















