بات واضحاً انه ما لم يتم التوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة ينهي الصراع العربي – الاسرائيلي او ما لم يتم التوصل الى تفاهم حول الملف النووي الايراني او تنفيذ القرار 1701 كاملاً، فان طريق العبور الى الدولة اللبنانية القوية القادرة تبقى طريقاً طويلة وشاقة، اذ لا مجال لانهاء وجود السلاح خارج الشرعية من دون ذلك. فـ"حزب الله" سيظل يتذرع لتبرير الاحتفاظ بسلاحه بوجود أراض لبنانية تحتلها اسرائيل وربما باراض عربية، والتنظيمات الفلسطينية تتذرع لتبرير احتفاظها بسلاحها داخل المخيمات وخارجها، بوجود خطر اسرائيلي عليها وبالدفاع عن حقها بالعودة.
والسؤال الذي يطرحه هذا الوضع الشاذ هو: ماذا على اللبنانيين وقادتهم ان يفعلوا في انتظار ان يتحقق السلام الشامل او يعالج موضوع الملف النووي الايراني او ينفذ القرار 1701، هل يبقى لبنان ينتقل من غرفة الانتظار الى غرفة العناية ويعاني ابناؤه من المشكلات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية ولا يجدون حلاً لها؟
لقد امل اللبنانيون في ان تكون نتائج الانتخابات النيابية سبيلاً للخروج من المأزق او النفق. واذ بهذه النتائج لا تغير شيئاً من الوضع الشاذ، فالأكثرية النيابية التي عليها ان تحكم والأقلية تعارض بموجب النظام البرلماني الديموقراطي وبموجب الدستور يتبين انها لا تستطيع ذلك لأن تشكيل الحكومات في ظل هذا الوضع لم يعد يتم على أساس تمثيل أحزاب سياسية كما في الماضي انما على أساس تمثيل مذاهب. وبما انه قام لأول مرة في لبنان "تحالف شيعي" وهو الوحيد المسلح بين كل المذاهب والطوائف، فهو يفرض شروطه على الأكثرية كي يقبل المشاركة في الحكومة، واذا لم يؤخذ بشروطه، فانه يرفض المشاركة، وعندها لا يعود في الامكان تشكيل حكومة من دون ان تتمثل فيها الطائفة الشيعية، لأن ذلك يخالف الميثاق الوطني وصيغة العيش المشترك اللذين نصت عليهما مقدمة الدستور.
الى ذلك، وما دام في لبنان تحالف شيعي، يحتكر لنفسه قرار الطائفة وحق تمثيلها، فسوف يظل من الصعب تشكيل حكومات في لبنان من الاكثرية النيابية اذا رفض هذا التحالف المشاركة فيها الا بشروطه، وهذه المشاركة قد تشكل داخل الحكومة قوة تعطيل القرارات او قدرة تعطيل تنفيذها في الشارع اذا اقتضى الأمر كما حصل في 7 أيار الشهير.
هذا الوضع الشاذ سوف يطرح عاجلاً أم آجلاً البحث في صيغة نظام جديد للبنان يكون بديلاً من اتفاق الطائف او معدلاً ومصححاً لعدد من بنوده، وهو أمر يحتاج الى وقت والى ظروف سياسية ملائمة تساعد على تحقيق التفاهم والتوافق بين اللبنانيين وقادتهم على وضع هذه الصيغة الجديدة، واذا كان الحل هو في الغاء الطائفية السياسية كما يعتقد البعض، فان التوصل الى الغائها يحتاج ايضاً الى وقت تنفيذاً للمراحل المطلوبة والتي تبدأ بتشكيل الهيئة الوطنية لأنه لا يكفي ان تلغى الطائفية من النصوص بل ينبغي ان تلغى من النفوس أولاً وهذا لا يتم الا بدءاً من البيت ومن المدرسة مع توحيد المناهج التربوية واعداد التلامذة لتنشئة وطنية وليس لتنشئة دينية ومذهبية متزمتة، تنسف أسس العيش المشترك وتحول دون تحقيق الانصهار الوطني الذي لا استقرار للبنان من دونه، وان الغاء الطائفية من دون المرور بكل المراحل، هو طائفية جديدة… فما العمل إذاً للخروج من الوضع الشاذ الذي قضى بما يشبه تعليق العمل بالدستور وتعليق تطبيق النظام الديموقراطي؟
يرى بعض المراقبين ان التسوية الموقتة التي تم التوصل اليها في مؤتمر الدوحة قد تكون هي التسوية الدائمة التي يعمل بها حتى اشعار آخر… بدليل ان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يتم على أساس هذه التسوية اي المحاصصة في توزيع الوزراء وفي توزيع الحقائب…
واذا كان اتفاق الدوحة منع بصورة موقتة، وحرصاً على الاستقرار العام لحكومة مكلفة الاشراف على الانتخابات النيابية، استقالة الحكومة او الوزراء وان كان ذلك يخالف الدستور، فان عودة حق الاستقالة مع اي حكومة يتم تشكيلها، قد تولد حالة عدم استقرار سياسي وامني واقتصادي في البلاد، خصوصاً اذا حصلت الاستقالة بخلفية طائفية.
لذلك، فما دام السلام الشامل لم يتحقق بعد بين العرب واسرائيل ولا صار اتفاق على الملف النووي ولا تم تنفيذ القرار 1701 فان السلاح خارج الشرعية سيبقى موجوداً وقد يزداد اذا قررت طائفة من الطوائف ان تحذو حذو الطائفة الشيعية، وعندها لا قيام لدولة قوية قادرة يمكن ان تقوم في المدى المنظور، ولا حكومة يمكن تشكيلها من أكثرية نيابية تأتي بها الانتخابات، بل ستبقى حكومات ما يسمى "الوحدة الوطنية" مفروضة ولا قرارات تصدر عنها الا بالتوافق حتى لو بقيت مجمدة الى أجل غير معروف وهو ما حصل مع حكومة تصريف الأعمال الحالية التي لم تستطع الاتفاق على ملء المراكز الخالية في الدولة وهي عديدة ولاسيما في وظائف الفئة الأولى مما يشل العمل ويوقف سير عجلته. وما دام ثمة تحالف مذهبي ومسلح يحتكر التمثيل ولا يمكن تشكيل الحكومات من دون تمثيله او تمثيل من يوافق عليه، فان لبنان سيظل يعيش وضعاً شاذاً يبقيه في نفق لا خروج منه إلاّ بالاتفاق على صيغة نظام جديد.
اميل خوري
emile.khoury@annahar.com.lb




















