أن يولد طفل من سفاح فهذا لا ينتقص من حقّه في الحياة. هذا ما يمكن قوله في حرب 2003 الأميركيّة في العراق والمعاهدة الاستراتيجيّة التي حظيت مسوّدتها، بعد التعديل، بموافقة الحكومة في بغداد. فالحرب كانت خطأ جسيماً، أما أن يُستكمل القضاء على العراق، باسم الاحتلال الأميركيّ، فخطأ أفدح. إنه كقتل الطفل لأنه ابن سفاح.
والحال أن البشارة الجزئيّة، والجزئيّة جدّاً، تمثّلت في الموقف الإيجابيّ لوزراء «الائتلاف» الشيعيّ. فعسى أن يكون هذا الموقف تعبيراً عن قبول إيرانيّ بالمعاهدة تمهّد به طهران لاستقبال باراك أوباما(؟).
الكلام هذا لا يقال حبّاً بالوجود العسكريّ الأميركيّ في بلاد الرافدين، بل يصدر عن خوف على ما تبقّى من العراق في ما لو نُفّذت أجندة الاستقلال الفوريّ الكامل كما يدعو إليها الممانعون. ذاك أن أهمّ ما تكشّف عنه العراق بعدما كبته صدّام وفاقمه في الوقت نفسه، أن «الشعب» سنيّ وشيعيّ وكرديّ وتركمانيّ وأشوريّ أكثر كثيراً مما هو عراقيّ، وأن بناء دولة حديثة، بل دولة بالمطلق، يفتقر كليّاً الى قوى تسنده وتمضي قدماً في توحيد البلد.
فالخيارات هنا صعبة وكثيراً ما تكون بين انسداد وانسداد آخر، بين استعمار وحرب أهليّة… والحقّ أن العراقيّين اليوم يختارون في ما تحت الدرجة صفر، دافعين أكلاف تاريخ وتركيب وثقافة مما لا يمكن تجنّب دفعه إلى ما لا نهاية. فيُستحسن، بالتالي، التواضع والاقتصاد في طرح البدائل.
وتحت أنوفنا اليوم نموذجان ملحّان: ففي أفغانستان، وصل الأمر بالرئيس حامد كرزاي أن يضمن أمن الملاّ عمر، إيّاه، إذا ما وافق على مفاوضته (!)، مضيفاً أن على الولايات المتّحدة وحلفائها الغربيّين أن يزيحوه أو أن يغادروا البلد في حال اعتراضهم على اقتراحه.
وفيما الأميركيّون يوالون رفع قيمة الجائزة المعروضة على رأس الملاّ، تتعاظم الدعوات المسموعة في العواصم الغربيّة الى التفاوض مع «طالبان» التي تتقدّم عسكرياً وتقضم، يوماً بيوم، مزيداً من الأراضي والسكّان. وفي الغضون هذه يمضي الباكستانيّون في تخبّطهم حيال الاستراتيجيّة العسكريّة المشتركة لمواجهة حركة الملاّ عمر.
والصومال ليس في وضع أفضل. فقد أعلن الرئيس عبدالله يوسف أحمد أن «شباب المجاهدين»، الذين تُرجّح علاقتهم بـ «القاعدة»، باتوا يسيطرون على معظم البلد وأنهم غدوا على مشارف العاصمة مقديشو. وهؤلاء كانوا تلقّوا، قبل عامين فحسب، هزيمة نكراء على يد الجيش الأثيوبيّ ردّتهم الى قواعدهم الأصليّة في جنوب البلاد.
ولا الصومال ولا أفغانستان نتاج الاستعمار، فالأوّل نتاج قلّته، والثاني نتاج انعدامه. لكنْ هل يُترك الصومال لـ «القاعدة»، وأفغانستان لـ «طالبان»، كرهاً بأميركا واحتلالها؟ وهل يؤدّي تجديد الحربين الأثيوبيّة والأميركيّة الى إلحاق هزيمة نهائيّة بالحركتين هذه المرّة، وهو غير مرجّح كما تشير التجارب، أم أنه يوفّر وقوداً «قوميّاً» لهما في مواجهة المحتلّ الغريب، وهذا هو الأرجح.
المهمّ، هنا، ليس أميركا. المهمّ شعوب تلك البلدان، والأصحّ أقوامها وجماعاتها التي لم تلد، قبل الاحتلالات أو بعدها، قوى تستطيع بذاتها كبح الأطراف الهمجيّة، بحيث بقيت هذه الأخيرة جاهزة لتمثيلها، قادرة عليه.
هذا هو المتوافر وبموجبه نختار.
"الحياة"




















