سميح صعب
بعد ثلاثة اعوام على حرب تموز، يبدو ان اسرائيل لم تتعافَ بعد من آثارها. ولا يزال المستويان العسكري والسياسي يعيشان تأثيراتها. وتصب التهديدات التي يطلقها نتنياهو وباراك واشكينازي ضد لبنان في خانة استعادة اليد العليا ميدانياً التي تضررت بشدة في الحرب. ولم تساهم الحرب على غزة مطلع هذه السنة في خدمة الغرض الاساسي منها الا وهو إظهار ان اسرائيل قد أصلحت الكثير من الاخطاء التي شابت الحرب، سواء عسكرياً او سياسياً.
منذ حرب تموز واسرائيل في حال مناورات دائمة. مناورات عسكرية، ومناورات للجبهة الداخلية التي لم تختبر قبل هذه الحرب، لأن كل الحروب التي خاضتها اسرائيل كانت خارج حدودها وتالياً لم تكن في حاجة الى استنفار الجبهة الداخلية. بعد تموز اختلف الوضع حتى باعتراف الاسرائيليين انفسهم. ولذلك تأخذ اسرائيل في الاعتبار بعد حرب تموز ان الداخل الاسرائيلي لن يكون في منأى عن أي مواجهة في المستقبل.
وتعيش اسرائيل منذ تموز 2006 في حال إعداد متواصل لمواجهة محتملة على الجبهة الشمالية او مع ايران. وتبني الحكومة الاسرائيلية كل استراتيجيتها على ان المواجهة حتمية، وتضع في مرتبة ثانية العمل من اجل السلام. وليس ادل على ذلك من تجاهل المطالبة الدولية، ولا سيما الاميركية بوقف الاستيطان من أجل إطلاق عملية مفاوضات شاملة لانهاء الصراع العربي – الاسرائيلي.
ولئن تكن الاولوية هي للاستعداد للحرب، فلا تستسيغ الحكومة الاسرائيلية أي حديث عن المهادنة او تمتنع عن ارسال أي اشارة يمكن ان تفسر ضعفاً. فهي مثلاً طوت ملف تبادل الاسرى مع "حماس" او ملف التوصل الى هدنة طويلة الامد في قطاع غزة. كما أرجأت الى أجل غير مسمى الانسحاب من الشطر الشمالي لقرية الغجر على الحدود مع لبنان. وأخيراً كان موقفها الرافض للوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة مع سوريا، ولا سيما ان نتنياهو ينظر الى تلك المفاوضات التي بدأها سلفه اولمرت انها كانت تحت وطأة آثار حرب تموز 2006.
وتلجأ اسرائيل في المقابل الى تحدي اوباما فترفض تجميد الاستيطان. وعمدت الى تحريك اللجنة الاميركية – الاسرائيلية للشؤون العامة "ايباك" التي تعتبر اقوى لوبي اسرائيلي في الولايات المتحدة، من أجل ارسال وفود من النواب الجمهوريين والديموقراطيين الى اسرائيل كي يعربوا عن تضامنهم مع نتنياهو في مواجهته مع الرئيس الاميركي. وأتت هذه الوفود كي تقول لاوباما انه من غير المنطقي مطالبة اسرائيل بوقف الاستيطان، وبأن على الدول العربية ان تبدأ التطبيع مع اسرائيل قبل ان تبدأ حتى المفاوضات بين الفلسطينيين والدولة العبرية.
وأيضاً، تحاول اسرائيل ألا تبدو منقسمة داخلياً بإزاء مسألة تعتبرها وجودية. فهي لم تتردد في استدعاء قنصلها العام في بوسطن داني تامير لأنه نشر مذكرة داخلية اعتبر فيها ان المواجهة مع الادارة الاميركية ستؤدي الى خسارة استراتيجية لاسرائيل وتفقدها التأييد داخل الولايات المتحدة.
إذن، أي حديث في اسرائيل غير الحديث عن الاستعداد للحرب ولمواجهة تشمل جبهات عدة، كلام غير مسموح. والاعلام الاسرائيلي ينشر بكثافة صوراً للمناورات، سواء في الجولان المحتل او في النقب او في الداخل الاسرائيلي، والانباء تتوالى عن الاستعدادات لتوجيه ضربة الى ايران وعن مناورات بعيدة المدى للمقاتلات الاسرائيلية، وعن عبور غواصات وبوارج قناة السويس الى البحر الاحمر وبالعكس.
كل ذلك لاعطاء صورة بان اسرائيل باتت على استعداد لمحو آثار حرب تموز والعودة الى امتلاك زمام المبادرة عسكرياً في المنطقة. واذا كان ذلك يدل على شيء فإنما على الاثر الاستراتيجي العميق الذي تركته هذه الحرب على الاسرائيليين.




















