المستقبل –
التفاهم الآخذ في التبلور بشأن تجميد المستوطنات بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبين ادارة براك اوباما يثير الاستغراب: من اجل ماذا تبدل الحكم في القدس؟ لماذا وُظفت كل هذه الطاقة في المعركة الانتخابية اذا كان نتنياهو يتصرف مثل سلفه ايهود اولمرت ومستعد لتقييد "حق اليهود في السكن في كل مكان في ارض اسرائيل"؟ هل تنازل نتنياهو ايضا عن ايديولوجيته اليمينية التي رضعها من بيت والده لمصلحة الحصول على صورة مشتركة مع الرؤساء باراك اوباما ومحمود عباس؟
لقد وافق اولمرت على الذهاب إلى مؤتمر انابوليس في تشرين الثاني 2007 بعد ان اوضح لادارة بوش سياسته تجاه المستوطنات: بناء حر في القدس، تطوير الكتل الاستيطانية الكبيرة (غلاف القدس، معاليه ادوميم، غوش عصيون واريئيل) وانه في المستوطنات الواقعة خارج الكتل الاستيطانية سيتم البناء فيها ضمن مجال الأرض المبنية وتخلى البؤر الاستيطانية وفقا للوعد الذي لم ينفذ منذ ايام ارييل شارون.
فور عودته من انابوليس، صادق أولمرت على بناء الاف الوحدات السكنية الجديدة في المناطق المحتلة، ولا سيما حول القدس؛ فيما ساد تجميد فعلي خارج الكتل لكن من دون اعلان. وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس، التي لم تنظر بعين الرضى إلى البناء الكثيف في الكتل الاستيطانية، اكتفت باحتجاج هزيل لغرض البروتوكول. كما طلب اولمرت من بوش ان يعفيه من اخلاء البؤر الاستيطانية. وقال له، وفقا للرواية الاسرائيلية، صحيح اننا وعدنا ولكن من الخسارة الدخول في مواجهة مع اليمين بخصوص بضعة كرافانات، ومن الافضل التركيز على المفاوضات حول التسوية الدائمة. فرضي بوش.
ومثل نتنياهو، ادارة اوباما تتصرف أيضا مثل سابقتها. البيانات الصادرة من اسرائيل حول البناء الجديد في شرقي القدس والكتل الاستيطانية اصطدمت بتنديد اميركي ضعيف "البيت الابيض عبر عن اسفه" ردا على بيان نتنياهو حول بناء 500 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية. اي اسف بالضبط؟ هل ذرف الرئيس اوباما دمعة؟
يعرض معجم " بن شوشان" للغة العبرية تفسيرين لكلمة "تفاهم". الاول "اتفاق بين طرفين". الثاني "القدرة على التعاطف مع الاخر ومع وجهة نظره" التفاهمات حول المستوطنات تنتمي للنوع الثاني. ليس اتفاقا وانما تفهم للمشاكل السياسية لدى الاخر. اوباما يريد استئناف عملية السلام كما تعهد، وهو مستعد للدفع من خلال السماح الضمني بالبناء الاسرائيلي المحدود من وراء الخط الاخضر. نتنياهو بحاجة الى دعم أميركي بشكل عام، وفي مواجهة ايران بشكل خاص، وهو مستعد لدفع الثمن مقابل ذلك من خلال تجميد البناء السكني في المستوطنات الواقعة خارج الجدار اي في الاماكن التي ليس عليها طلب اصلا. لكن اقامة المباني العامة مثل الصفوف التعليمية والعيادات سيتواصل ايضا في المستوطنات المعزولة من اجل الاظهار بان نتنياهو لم يتنازل عنها.
بقيت مشكلة "إي 1" ، المنطقة الفارغة الواقعة بين القدس ومعاليه ادوميم، والتي يخططون لبناء 3500 وحدة سكنية عليها. في نظر اليمين، يُعتبر بناء هذه الوحدات اختبارا للصمود القوي في وجه الاميركيين. في نظر الفلسطينيين والمنظمات اليسارية الاسرائيلية، سيؤدي البناء في تلك المنطقة إلى عزل شرقي القدس عن الضفة وإلى احباط اقامة فلسطين المستقبلية وعاصمتها القدس. الاميركيون منعوا البناء هناك حتى اليوم، ولكن اولمرت ايضا قال لهم إن حي "مفسيرت ادوميم" سيبنى في المستقبل حتى لا تتحول معاليه ادوميم الى جيب معزول ومفصول عن محيطه.
اذا ما الذي تغير منذ ايام اولمرت؟ امر واحد بالاساس: الاعلان عن تجميد البناء سيكون في هذه المرة علنيا ومن المفترض ان يستجاب له بخطوات تطبيع من الدول العربية. وهنا يكمن خوف نتنياهو: ما الذي سيفعله اذا لم يحصل على المقابل في نهاية فترة التجميد؟ هل يستأنف البناء خلافا لموقف اوباما ام انه سيظهر كساذج تنازل من دون الحصول على مقابل؟ هذه المعضلة، التي لم يتم حلها حتى الآن، ستبقى تُثقل كاهل رئيس الحكومة.
("هآرتس" 9/9/2009)




















