شهد (أيلول) ثلاثة أحداث كبرى صادمة للضمير العربي في العصر الحديث، ترسّخ وقعها في ذاكرة جيلنا العاثر، الذي عاش فورة الأحلام والمشاريع الكبرى لتغيير حال العرب وأوضاعهم، ومرّ عليه الزمان ليشهد انطفاءها واحدة في أعقاب أخرى، لم يتوقف تأثير هذه الأحداث على الوجدان فحسب، بل دفعت وجهة التاريخ العربي، باتجاه مغاير لما هو مأمول ومتوقع.
أولى تلك الأحداث، من حيث الترتيب الزمني، والفاعلية التاريخية، هو تمزق (الجمهورية العربية المتحدة) بانفصال سورية عن مصر، بانقلاب 28 أيلول عام 1961، معلناً بذلك نهاية تجربة الوحدة السورية المصرية التي قامت في شباط 1958، تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر، على أمل أن تكون نواة، وقاعدة للوحدة العربية الشاملة سيلتحق بها أقطار عربية أخرى، كلما تهيأت ظروفها الذاتية لهذا الانضمام، ولقد قامت تلك الوحدة في خضم زمن ملحمي للعرب ابتدأه عبد الناصر بتأميم قناة السويس، وكسر احتكار الغرب للسلاح، وخروجه منتصراً سياسياً في معركة العدوان الثلاثي، وزعيماً غير منازع للعرب، اخترقت شعبيته المليونية حدود الدولة القطرية العربية، لتشمل العالم العربي برمته، فقاد العمل العربي المشترك بطريقة لاح للعرب فيها، أنهم بدؤوا يأخذون لهم مكاناً لائقاً بين الأمم.
وكانت هذه الصيغة الوحدوية "الاندماجية" نموذجاً ارتضته النخب الراديكالية (التقدمية) على حساب صيغة "الجامعة العربية"، والصيغة "الاتحادية الدستورية" للمفكرين القوميين الليبراليين لبداية القرن الماضي، فكان "انفصال" سورية في 28 أيلول1961 بمثابة تراجع لنموذج الوحدة الاندماجية، وأتت وفاة عبد الناصر لتضع حداً لاحتمالات قيامها، ولا سيما بعد فشل مشروع الاتحاد الثلاثي عام 1963. فكان 28 أيلول حدثاً صادماً لأحلام جيلنا بالوحدة، التي بدت راجحة أيام عبد الناصر، وفتح هذا الحدث الطريق لبروز نخبة جديدة تحولت سورية تحت سيطرتها إلى محور في مواجهة مصر عبد الناصر، وهو ما زاد من تمزق العرب، وخلق وضع استنزفت فيه طاقاتهم، وقاد بالنهاية إلى هزيمة 1967.
أما الحدثان الثاني والثالث، فقد تواقتا في أيلول عام 1970، الأول، يتعلق بانحسار المقاومة من الأردن نتيجة تورطها في الشأن الداخلي الأردني، بينما الحدث الثاني، هو وفاة عبد الناصر، في 28 أيلول، في زحمة انشغاله لوقف النزاع الفلسطيني- الأردني.
كسر تراجع المقاومة في الأردن من زخمها، ومن الاندفاعة الشعبية العربية التي أحاطت بها، فانحصرت المقاومة، بعدها، في جنوب لبنان، وهو ما جعلها أكثر خضوعاً لمحاور النظام العربي، ثم استنزفت جزءاً مهماً من طاقاتها بتدخلاتها في الشأن اللبناني، إلى أن أجهز عليها العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982، فانتقل مركز المقاومة الفلسطينية، نهائياً، إلى قلب فلسطين، وتراجع الشتات إلى موقع الرديف المعاضد لقوة الداخل فحسب، شأنه في ذلك شأن الساحة العربية برمتها، بعد أن غدا الاعتماد على الذات هاجس الانتفاضة الأولى والثانية.
كانت وفاة عبد الناصر في (28 أيلول) عام 1970 الحدث الصادم الثالث، في هذا الشهر، ومعلماً بارزاً لنهاية حقبة في تاريخ العرب المعاصر، هي "الحقبة الناصرية" أو "القومية"، تقهقر بعدها تأثير الفكرة العربية على الساحة السياسية العربية، بما فيها "الأنظمة التقدمية" نفسها، التي رشّحت نفسها لتكون وريثة لدور عبد الناصر، ولنموذج دولته، فلم تستطع أن ترث إلاّ الجانب الأوامري القمعي لنظامه، بعد أن نمّته إلى حدوده القصوى، وجردت خطابه القومي، وشعوره بالمسؤولية العربية، من كل روح وجدّية، وما أبقت منه سوى صراخ إذاعي فارغ من كل حياة.
وتزامنت وفاة عبد الناصر، مع انكشاف عجز (نمط النظام التقدمي) المركزي وحدوده التاريخية، على الصعيد العالمي بدءاً من شرق أوروبا، وانهيار دوره التاريخي، فلم يتبق بعد وفاة عبد الناصر، سوى دولة الأجهزة "التقدمية" وأشباح مشاريع الفكرة العربية، وخبا، بالتوازي مع ذلك، ما سمي بحركة التحرر القومي العربية، ومعها تراجع العمل العربي المشترك، وحركة التضامن والالتزام بالقضية الفلسطينية، لتصبح مسألة ثانوية في جدول العمل الرسمي العربي، كما تضاءل موقع العرب العالمي إلى الحضيض، وفقد النظام العربي معناه عندما غدا بلا رأس.
وهكذا أصبح العرب بعد ثلاثة عقود من وفاة عبد الناصر، أكثر تمزقاً، وأكثر ابتعاداً عن الإمساك بمصيرهم، وغدت أرضهم مستباحة، لدرجة أن بلداً مثل العراق بقوته وغناه، والذي شكل دائماً أحد أهم نقاط الارتكاز للجسم العربي صار في قبضة أميركا وإيران، التي تواطأت مع أميركا لتثأر لهزيمتها أمام العراق قديماً وحديثاً، ولإضعاف العرب أمام طموحاتها، فتهيأت الظروف لنشاط "القاعدة" ولنهجها التكفيري المدمّر والانقسامي، مكملة بذلك خطط التقسيم الإيرانية للعراق ولجواره العربي، في ظل استمرار النظام العربي في قهره لمواطنيه.
"المستقبل"




















