كلنا شركاء : 10/ 09/ 2009
نفى وزير الأوقاف السوري ما تروج له بعض وسائل الإعلام عن وجود حملات تشيع بين مواطنيه المنتمين لمذاهب دينية أخرى، رافضا الاتهام الموجه للسفارة الإيرانية بتغطية هذه النشاطات، وقال إن الحرية الدينية مكفولة في سورية للجميع، ما يفسر من جانب آخر النشاط الملحوظ لفئات سورية متدينة، وفي مقدمتها ما يطلق عليهن اسم "القبيسيات".
ووصف عبد الستار السيد في لقاء مع قناة "بي بي سي" ما يقال عن حركة تشيع يرعاها دبلوماسيون إيرانيون كبار في دمشق بأنه "كلام غير صحيح، وغير دقيق". متحديا "أن يكون هناك شخص واحد قد تشيع في سورية نتيجة لمثل هذه الحملات".
وقال السيد إن مصطلح "حملات التشييع" مفهوم "خاطئ" و"لاوجود له". مضيفا أن "الحوزات العلمية التابعة لأهل البيت خاضعة لإشراف وزراة الأوقاف"، وأن الوزراة "هي من يضع المناهج للحوزات الشيعية"، حيث تحرص وزارته على أن تكون هذه المناهج "مضبوطة"، وخالية من أي "إساءة" للآخرين على حد تعبيره. وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على المعاهد الشرعية (السنية) في سورية.
وردا على سؤال يتعلق بإنفاق إيرانيين أموالا طائلة في شراء العقارات والأراضي في البلاد، وفي العاصمة دمشق تحديدا؛ نفى الوزير السوري هذا الأمر جملة وتفصيلا، قائلا إن الدستور السوري الحالي "لا يسمح للأجانب بتملك العقارات في سورية"، وإن سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دمشق "لا تستطيع أن تمارس أي حق سيادي على الأراضي السورية على الإطلاق" باعتبار ذلك مخالفا للقوانين المحلية مرعية الإجراء.
وقالت تقارير في وقت سابق إن دبلوماسيين إيرانيين -ومقربين منهم في سورية- ينشطون في حملات تدعو إلى اعتناق المذهب الشيعي، مستغلين الشعبية التي تحظى بها بين السوريين بعض الرموز الدينية والسياسية التي تنتمي لهذا المذهب، مثل زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله.
ويشجع على ذلك -التشيع- برأي تلك التقارير، إضافة إلى غض السلطات الرسمية طرفها عن الأمر، وجود محجات ومزارات مقدسة لدى الطائفة الشيعية على الأراضي السورية، مثل مقام السيدة زينب والسيدة رقية والسيدة سكينة وأم كلثوم، ناهيك عن وجود جالية عراقية (شيعية) كبيرة في البلاد جلها من اللاجئين الهاربين من بطش نظام صدام حسين حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم الفارين بأرواحهم من الأوضاع الأمنية التي تدهورت في العراق إثر سقوط نظام البعث وخضوع البلاد للاحتلال الأميريكي.
من جهة أخرى أقر وزير الأوقاف السوري بوجود تعاون بين بلاده والحكومة البريطانية في مجال "تدريب" و"تأهيل" أئمة مسلمين للوعظ في مساجد لندن.
وقال السيد إنه اجتمع بوزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية آيفن لويس لهذا الغرض، وإن الاتفاق تم مع حكومة رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، وبناء على طلب الأخير، كي تفسح دمشق المجال لمجيء عدد من هؤلاء "الأئمة" إلى العاصمة السورية لتلقي "دورات تدريبية تأهيلية مع كبار العلماء (علماء الدين الاسلامي) السوريين".
لكن الوزير نفى في المقابل أن تكون بلاده قد أبرمت أي اتفاق مع الأمم المتحدة في عام 2005 يتعلق بتأهيل كوادر الأوقاف السورية على أيدي خبراء أممين، في إطار تجنيد دمشق ضمن حملة دولية لمكافحة التطرف الاسلامي.
وأقر السيد بأنه قد يكون هناك في بعض المناهج الدراسية في العالم العربي والإسلامي ما يدفع باتجاه التطرف الديني، وقال "في حال كان في تلك المناهج ما يشجع على التكفير فإنني أرى لزوم تعديلها"، نافيا في الوقت ذاته أن يكون هذا التوصيف صالحا فيما يخص الحالة السورية، ومثنيا على "المناهج الشرعية" في بلاده باعتبارها "معتدلة" و"وسطية".
وعن مدى الحرية المعطاة لرجال الدين المسلمين في سورية، أكد السيد الذي تمنح وزارته رخص مزاولة الوعظ الديني، أن العاملين في وزارته لا يتدخلون على الإطلاق في خطب الجمعة ولا في الدروس الدينية.
لكنه عاد وقال إن هناك ثمة معايير لـ"الرقابة" على تلك الأنشطة تتعلق بعدم استهدافها فئات أخرى "بالإساءة"، أو تبنيها ممارسات تؤدي إلى "التطرف" أو الترويج لـ"الأفكار التكفيرية" على حد تعبيره. مشيدا بما أسماه "الرقابة الذاتية" التي يتمتع بها "خطباء سورية" في 10000 (عشرة آلاف) مسجد، هو إجمالي عدد الجوامع ودور العبادة الإسلامية في البلاد.
وختم الوزير السوري الحديث في هذا الموضوع بالقول إن الأنشطة الدينية والتدريس الديني في سورية يتمتعان "بحرية لا تتوفر في أي من البلدان الاسلامية والعربية الأخرى"، الأمر الذي يبرر –من وجهة نظره- النشاط الواضح الذي تتميز به "القبيسيات" في أوساط المجتمع السوري.
وتحظى جماعة "القبيسيات" المثيرة للجدل بشهرة واسعة في سورية كأبرز تيار إسلامي منظم في البلاد، رغم ما يشاع عن تلقيها دعما من السلطات الرسمية.
وأخذت هذه الجماعة النسائية التي تقدر منتسباتها بعشرات الآلاف داخل سورية وخارجها اسمها من "منيرة القبيسي". وهي داعية إسلامية سورية في العقد السابع من عمرها تتلمذت على يد مفتي سورية السابق أحمد كفتارو، وإن لم يعرف لها نتاج فكري بارز.
وتنشط "الأخوات" في العمل الخيري والتربوي ضمن شرائح ميسورة وقريبة من صنع القرار في البلاد، إنما بعيدا عن العمل السياسي المباشر. ولعل أقرب صلة علنية تربط "القبيسيات" بأطراف سياسية معروفة تأتي من عضوية "أميرة جبريل" فيها، وهي شقيقة أحمد جبريل، الأَمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، والتي تتخذ من دمشق مقرا لها.
ولدى سؤال الوزير عبد الستار السيد عما إذا كان تشدد السلطات المحلية تجاه حملات التبشير المسيحية في سورية يتعارض مع تلك "الحرية الدينية" التي تحدث عنها؛ نفى وزير الأوقاف وجود أي تضارب بين الأمرين، وقال إن الحرية الدينية مكفولة في البلاد "شريطة ألا تمس بالآخرين".
موضحا أنه يتم التعاطي مع أنشطة الأديرة والكنائس ورجال الدين المسيحي "بكل احترام"، بيد أن المس بأي "طرف آخر"، أو التعرض له "أمر ممنوع" على حد تعبيره.
وهو شيء –يضيف السيد- لا يخص التبشير المسيحي وحده، وإنما هو "مطبق على الجميع"، وأن موضوع أن ينحو فرد أو جماعة إلى تغيير عقائد الآخرين "غير موجود في سورية"، حيث "النشاط الديني المسيحي موجه للمسيحيين، والنشاط الإسلامي موجه للمسلمين، ضمن مذاهب كل فئة".
وفي موضوع آخر، وردا على سؤال حول حرمان 200 ألف كردي سوري من الجنسية السورية، والمساس بحقهم في المساواة مع باقي المواطنين السوريين؛ جاءت إجابة الوزير مقتضبة، حيث قال إن موضوع الأكراد المحرومين من الجنسية "مختلف عما يتم طرحه في الإعلام"، مضيفا أن الموضوع شأن "تقني بحت"، ولا علاقة له بالجانب الديني، وأن المشكلة "مشكلة إجرائية"، وغير ذات صلة بـ"الانتقاص من حقوق أي مواطن سوري" على حد قوله.
قال وزير الأوقاف السوري إن لا أحد في سورية مؤهل لحكم البلاد فيما عدا الرئيس الحالي بشار الأسد، نافيا أي انفراج سياسي مع جماعة "الإخوان المسلمين" المعارضة، والتي وصفها بالتنظيم "الارهابي".
وقال عبد الستار السيد إن الرئيس السوري بشار الأسد وصل إلى الحكم عن طريق "الانتخابات الحرة"، وإن "السوريين كلهم كانوا متلهفين" لتعديل المادة المتعلقة بعمر رئيس الجمهورية في دستور البلاد كي يتمكن نجل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من خلافة والده، مؤكدا عدم أهلية أي شخص آخر في سورية لهذا المنصب فيما خلا الأسد.
وجاءت تصريحات السيد الأخيرة في لقاء بثته قناة "بي بي سي" أمس، ونفى فيه وزير الأوقاف السوري أن يكون 39 عالما إسلاميا سوريا قد وجهوا أية رسائل إلى الرئيس بشار الأسد قبل ثلاثة أعوام طالبين تدخله لإنقاذ التعليم الشرعي في البلاد مما سموه "خطة تآمرية" تستهدف القضاء عليه، ومهاجمين في الوقت عينه "المدارس الرسمية المختلطة".
وقال السيد إن عدد هؤلاء العلماء لم يتجاوز في عام 2006 تاريخ الحادثة المذكورة "9 أو 10 على الأكثر"، واصفا توجههم بأنه كان ناتجا عن "فهم خاطئ لإجراءات وزارة الأوقاف السورية فيما يتعلق بالإشراف على المعاهد الشرعية في البلد".
وأوضح السيد أن وزارته تسعى للترويج لإسلام "مبرء من الإشكالات السياسية" وأن عمله منصب على "عدم خلط الدين بالسياسة على الإطلاق" على حد تعبيره.
وشن السيد هجوماً على حركة "الإخوان المسلمين" السورية المعارضة في المنفى، متهما إياها بأنها مارست "أعمالا إرهابية واعتداءات على الدماء والأنفس"، وأنها "أرادت فرض رأيها فرضا على المجتمع السوري"، ناعيا عليها ما أسماه "عدم القبول بالآخر"، وتنصيب أفرادها أنفسهم "ناطقين باسم الإسلام".
ونفى وزير الأوقاف أن تكون مشكلة الإخوان مع النظام السوري مشكلة "حرية رأي"،واصفا الوضع بأنه سعي من طرف الجماعة لـ"استغلال الإسلام كبرنامج سياسي للوصول إلى سدة الحكم".
ورفض الوزير السوري الاتفاق مع الفكرة القائلة إن من أخطر مظاهر قرار القضاء على عمل الإخوان في الثمانينيات داخل سورية هو ظهور جيل جديد من الحركات السلفية في البلد من تحت عباءة القيادات الإخوانية، مثل أبو مصعب السوري، وأبو القعقاع، ومحمود حيدر الزمار الشهير "بالدب السوري".
وقال السيد إن جميع من ذكروا لا يعدون كونهم "حالات فردية شاذة".
وأضاف أن من "قضى" على الإخوان هم "العلماء وكافة فئات الشعب الذين وقفوا بأسرهم إلى جانب الدولة والسلطة"، ،وإنه "لا يوجد في سورية من يمكن أن يرضى بحكم الإخوان أو برنامجهم السياسي" على حد قوله.
وحول قرار "الإخوان المسلمين" في سورية تعليق نشاطاتهم المعارضة للنظام في فترة العدوان الإسرائيلي العسكري على قطاع غزة المحاصر، رفض السيد التعليق على الأمر، قائلا بأنه "لايعني له شيئا"، وإن عدم استجابة السلطة في دمشق لهذه "البادرة" حتى الآن ترجع إلى كون تلك المسألة أمر "يتعلق بإلإخوان أنفسهم"، مكررا أن "تنظيم الإخوان المسلمين لن يقبل به في سورية على الإطلاق"
وشهدت فترة الثمانينات في سورية نزاعا مسلحا بين النظام الذي يسيطر عليه حزب البعث العربي الاشتراكي، والجناح العسكري في تيار "الإخوان المسلمين" والذي حمل اسم "الطليعة المقاتلة"، فيما تقول مصادر داخل تيار "الإخوان" السوريين إن "الطليعة" لم تكن أبدا جناحاً عسكرياً للإخوان، وإنما تنظيما مستقلا.
وعلقت جماعة الإخوان المسلمين السورية المحظورة نشاطاتها المعارضة ضد نظام دمشق إبان العدوان الإسرائيلي على غزة اوائل العام الحالي، الأمر الذي لقي في حينه انتقادات حادة من شريكها في "جبهة الخلاص" المعارضة خارج البلاد نائب الرئيس السوري المنشق عبد الحليم خدام .
وراجت أنباء في الفترة الأخيرة حول وجود لجنة حكومية تحضر لإلغاء القانون رقم 49 والذي يقضي بالإعدام على منتسبي التنظيم، لكن وزير الخارجية السوري وليد المعلم نفى علمه مؤخرا على هامش أحد مؤتمراته الصحفية وجود نيات من هذا القبيل.




















