نصير الأسعد
مع أن دولة قطر لم تُعلن نيتها الدعوة إلى مؤتمر لبناني جديد في الدوحة ولم تلمّح إلى ذلك، مكتفية بالإعراب عن دعمها للبنان واستقراره السياسي والأمني، فإن ثمة من "المعارضة" في لبنان من يذكّر بـ"الدوحة 1" ليلوّح بـ"الدوحة 2".
"إتفاق الدوحة" 2008: إستعادة المؤسسات
ماذا يعني ذلك؟
للإجابة عن هذا السؤال، يجدر إستعادة ما قضى به "إتفاق الدوحة" في أيار 2008.
إنعقد مؤتمر الدوحة آنذاك في ذروة حركة إنقلابية مسلحة نفذها "حزب الله". وكان هدف المؤتمر سحب الأزمة من الشارع، ووقف إستخدام "حزب الله" للسلاح والعنف، وإعادة لبنان إلى مسار دستوري طبيعي. وبالفعل فقد قضت بنود "إتفاق الدوحة" بإنتخاب فوري لرئيس الجمهورية التوافقي العماد ميشال سليمان وبتشكيل "حكومة وحدة وطنية" ثلاثينية، وبإعتماد دوائر إنتخابية محددة إنطلاقاً من "قانون 1960". وإذا كان الإتفاق أعطى "المعارضة" يومئذ 11 وزيراً أي "الثلث المعطّل"، فقد كان واضحاً أن ذلك "الثلث المعطّل" هو "المقابل" في سبيل إستعادة المؤسسات والإحتكام إليها، كما كان واضحاً أنه "مقابلٌ" لمرة واحدة، طالما أن إعادة تشكيل السلطة ستنطلقُ بعد عام من إنتخابات نيابية تحكمُ نتائجها بين اللبنانيين. وبالفعل فقد أكدت البنود الأخرى من "إتفاق الدوحة" على تحريم إستخدام السلاح في "السياسة"، أي في الخلافات السياسية، وعلى سلطة الدولة وسيادتها.
إن "إتفاق الدوحة" الذي جرى توقيعُه في غياب المؤسسات الدستورية اللبنانية، أي بسبب غيابها، بين فراغ في رئاسة الجمهورية من ناحية وشلل في المجلس النيابي من ناحية ثانية وإنقلاب على الحكومة من ناحية ثالثة، قضى بإعادة الإعتبار إلى هذه المؤسسات.. إلى إنتظامها وإلى حكمها بموجب الدستور.
"دوحة 2": نوايا إستمرار التعطيل
تأسيساً على كل ما تقدم، إن دعوة "المعارضة" أو بعضها إلى "الدوحة 2" ولو تلويحاً وتلميحاً، تنطوي على معان شديدة الخطورة.
في "أحسن الأحوال"، هي تكشف نية الإستمرار في التعطيل، في تعطيل تشكيل الحكومة، تسويغاً لـ"دوحة 2". وتكشف نية العودة إلى إستخدام السلاح والعنف ضغطاً على العملية السياسية.
..وإنقلاب على المؤسسات والنظام
بيد أن الدعوة إلى "دوحة 2"، بوجود المؤسسات الدستورية التي كانت غائبة ومغيّبة زمن "دوحة 1" والتي بسبب غيابها إنعقد "الدوحة 1" في الأصل، تعني الدعوة ليس فقط إنقلاباً على المؤسسات وعلى الدستور، بل هي إنقلاب على "الدوحة 1". ولذلك، فلا مبالغة في القول إن أي "دوحة 2" هو بالتعريف ضد "دوحة 1" (سيُستخدم المذكّر في الحديث عن "دوحة1" أو 2) مع التذكير بأن "إتفاق الدوحة" كان بمثابة تسوية مرحلية إنتقالية لها نقطة بداية هي إنتخاب رئيس الجمهورية ونقطة نهاية هي الإنتخابات النيابية.
كذلك، لا شك أن "دوحة 2" يضمُر نية "المعارضة" في تصعيد "الأزمة الحكومية" لتجعل منها "أزمة نظام". وهذا أمرٌ لا تخفيه "المعارضة" منذ أربع سنوات. وهو يعلو ويهبط تباعاً لكن "المعارضة" تحفرُ له مكاناً أولوياً في حياة البلد.
..وإسقاطٌ لـ"الداخل"
ومما لا شك فيه "أخيراً"، أن أي "دوحة 2" إذ يشكّل إنقلاباً على عودة المؤسسات الدستورية بموجب "دوحة 1"، وإذ يضمر نية التصعيد بإتجاه "أزمة نظام"، إنما يعني إسقاط "الداخل" اللبناني إسقاطاً تاماً، ويعني تفويض الخارج به، ويعني "فتح" لبنان أمام منوعات التدخل والنفوذ فيه.
إذاً، إن "الدوحة2" نقيضٌ لـ"الدوحة1" وفقاً للمعاني الآنفة جميعاً. وبديهيّ ـ تالياً ـ أنّه إسقاطٌ لإتفاق الطائف ومبادئه ونظامه ودستوره.
من هنا، وعلى مشارف المرحلة اللبنانية التالية ما بعد إعتذار الرئيس سعد الحريري، ثمة حاجةٌ ماسّة إلى التحذير من نيّة "المعارضة" إحاطة محاولة التأليف الثانية بتصعيد "عال".
"دوحة2" ضدّ "دوحة1".. و "اللبننة"
لا يمكن أن تكون الدعوة إلى "دوحة2" أو ما يشبهها، مقبولةً.
من منطلق أن في البلد مؤسسات قائمة، وفي مقدّمها رئاسة الجمهورية.
ومن منطلق أن النظام، نظام الطائف، ليس مقفلاً على الحلول وليس في أزمة، لا أزمة مبادئ ولا أزمة آليات.
ومن منطلق أن تجربة تشكيل الحكومة بعد إنتخابات 7 حزيران لم تفشل بسبب لاميثاقية التشكيلة التي تقدّم بها الرئيس الحريري، بل لأن في البلد مشروع غلبة يستقوي بالسلاح.
ومن منطلق التمسّك بأن يكون لـ"الداخل" اللبناني دوره "المرجّح".. لا الإستسلام أمام الكشف الخارجي للبنان. أي من منطلق الحرص على "لبننة" الاستحقاق الحكومي. والسير بـ"اللبننة" يعني الإحتكام إلى الدستور وقبله وبعده إلى العملية الديموقراطية التي لطالما تحدّت "المعارضة" 14 آذار أن تلتزم بها وبنتائجها. وعلى أي حال، في إطار "اللبننة" يستطيع رئيس الجمهورية ويحق له أن يدعو ـ متى وجد ذلك ضرورياً ـ إلى جلسة إستثنائية من جلسات مؤتمر الحوار الوطني، الذي وضعه "إتفاق الدوحة" في عُهدة الرئيس حصراً. ويستطيع.. بل يحق له أن يشكّل مع الرئيس المكلّف الحكومة اللبنانية.
"دوحة2" إذاً ضد إتفاق الطائف.. لكنّه ضدّ "دوحة1" في الأساس.




















