شكل انتصار باراك اوباما الاميركي الاسود ذي الاصول المسلمة حدثا تاريخياً في الولايات المتحدة الاميركية كانت له اصداؤه الواسعة في العالم عموما والعالمين العربي والاسلامي خصوصا، حين ظهرت الحماسة المفرطة لهذا الرئيس الجديد القادم الى البيت الابيض.
حماسة وصلت الى حد كتابة الشعر في وصفه والتنويه به باعتباره الامل لشعوب العالم، واعتباره الاجمل والانزه القادم لتغيير اميركا والعالم مما يعيش فيه من توحش وظلام، نصير الفقراء والمظلومين.
بدون شك الحدث تاريخي بكل معنى الكلمة، لكن هل هذه الانطباعات العربية في محلها ويمكن التأسيس عليها، ام هي مجرد انفعالات عاطفية مشهدية ليس لها اي اساس متين؟
المؤكد ان اميركا تتغير لكي تصبح مستعدة لانتخاب رجل مثل باراك اوباما، لكن السؤال: هل كان انتخاب اوباما رد فعل استثنائياً ام فعلا اميركيا وتعبيرا عن تطور مكتمل النضوج في الوعي الاميركي الانكلوسكسوني الابيض؟ في هذا الاطار يمكن تسجيل الآتي:
ان مراجعة التفوق الذي حققه اوباما يظهر انه يعود بنسبة كبيرة لاصوات الناخبين السود والملونين من الاقليات المختلفة التي صوّتت لاوباما بنسب عالية وهؤلاء باتوا يمثلون نسبة تلامس حدود 30% من الناخبين الاميركيين مما يعنى ان الاصوات البيضاء الصرف لم تكن قادرة على حسم المعركة لمصلحة اوباما بمعزل عن اصوات الاقليات العرقية والدينية المختلفة رغم التراجع الحاد في شعبية جورج بوش والقياسي بالنسبة الى تاريخ الرؤساء الاميركيين، ورغم الوضع الاقتصادي والمالي الذي شكل انهيارا كارثياً بالنسبة للاميركيين، والذي جعل من احتمال فوز مرشح الحزب الجمهوري اياً كان هذا المرشح امرا ً صعباً جداً وغير متوقع في مقابل اي مرشح للحزب الديموقراطي ايا كان ايضا هذا المرشح. وهذا ما كانت تعطيه نتائج الاستطلاعات منذ بدايات الحملة الاميركية الرئاسية، وقبل حسم اسم المرشحين المعتمدين لكلا الحزبين الديموقراطي والجمهوري.
وبناء عليه فإن المعركة الاصعب التي خاضها اوباما للوصول الى البيت الابيض لم تكن في مواجهة المرشح الجمهوري جون ماكين، حيث كانت كل استطلاعات الرأي لمصلحته في كل مراحل المواجهة. بل كانت المعركة الاصعب الفعلية لاوباما داخل الحزب الديموقراطي للفوز بترشيحه وتحديداً في مواجهة المرشحة المنافسة هيلاري كلينتون. وكلنا نذكر حدود التوتر والشدة في تلك المواجهة حيث أن هزيمة كلينتون كانت الخطوة الكبرى التي اوصلت اوباما الى البيت الابيض. وهذا ما يطرح سؤال: ما الذي وفر عناصر الفوز لاوباما على هيلاري كلينتون؟ وليس سؤال ما الذي وفّر عناصر الفوز لاوباما على جون ماكين؟
هل الازمة الاقتصادية على اهميتها الكبرى هي العنصر الحاسم في هذا الفوز في حين ان كلينتون كانت أكثر تركيزا على المسألة الاقتصادية من اوباما واكثر منه جرأة في طرح الحلول التي تناسب الطبقات الوسطى والفقيرة. مع ذلك كان الرأي العام أكثر تعاطفاً مع اوباما ليس فقط بسبب لونه وكفايته والكاريزما الخطابية والعائلية التي تميز بها، انما لسبب جوهري على ما اعتقد، هو رفض جورج بوش وسياساته وتحديدا الخارجية، وتحديداً اكثر سياساته الحربية والعسكرية في الشرق الاوسط والعراق.
لقد شدد اوباما في مواجهته لكلينتون على موقفها المتردد وغير الحاسم من الحرب الاميركية على العراق، واستغل الى ابعد الحدود تصويت كلينتون الى جانب قرار الحرب فيما كان اوباما معارضاً له منذ البداية. لقد تجرأ اوباما على اعلان نيته الانسحاب من العراق في معزل عن اي ظروف فيما لم تبلغ كلينتون هذا المستوى في حملتها الانتخابية.
لذلك كان الموقف الحاد من جورج بوش الورقة الرابحة الاساسية في حملة أوباما وكثيراً ما كان يدين منافسيه بانهم يشكلون استمراراً بشكل او آخر لجورج بوش الذي اوصل اميركا الى هذا المستوى من الازمات السياسية والعسكرية.
ان خطأ جورج بوش في الحرب على العراق لم يكن مجرد خطأ تكتيكي عابر، كان كما عبرت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية السابقة ومستشار الامين القومي السابق بريجنسكي. انه خطأ استراتيجي كارثي.
ما اوصل اوباما الى البيت الابيض ليس الاقتصاد، يا عزيزي، انه العراق. وبهذا المعنى يستطيع اسامة بن لادن ان يفاخر بانه في مكافحته للاتحاد السوفياتي في افغانستان اودى بالقيادات السوفياتية الشيوعية التقليدية والمتشددة امثال بريجينيف واندروبوف وأوصل غورباتشيوف الشيوعي الاصلاحي الى زعامة الاتحاد السوفياتي. وها هو اليوم في مواجهته مع الولايات المتحدة يودي ايضاً بالرئاسات الاميركية التقليدية لمصلحة باراك أوباما القادم من خارج النادي التقليدي للرؤساء الاميركيين، والذي يحمل شعارات التغيير في الداخل والخارج.
هل هذه المقاربة صحيحة وهل يكون أوباما غورباتشيوف اميركا؟ بمعنى ان تؤدي محاولات التغيير الى التفكيك كما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق خاصة ان عوامل مشتركة ومتشابهة قائمة بين الوضع السوفياتي السابق والوضع الاميركي الراهن؟
الاتحاد السوفياتي واجه ازمة عسكرية في افغانستان وتضخماً عسكرياً على حساب واقع اقتصادي داخلي متأزم وهي الحالة نفسها التي يواجهها اوباما حالياً خصوصاً لجهة تعامله مع الماكينة العسكرية الاميركية الهائلة التي باتت عبئاً على الخزينة الاميركية دون ان تكون لها الفاعلية المفترضة القادرة على حسم المعارك وتحقيق الاهداف.
بالطبع اميركا ليست الاتحاد السوفياتي السابق والحزب الديموقراطي او الجمهوري ليسا الحزب الشيوعي لذلك النتائج ليست بالضرورة واحدة وايضاً أوباما ليس غورباتشيوف.
قد يكون باراك أوباما منقذ الامبراطورية الاميركية من توحشها المفرط ومن اندحارها السريع بعد صعودها السريع مع جورج بوش. وقد يكون ايضاً غورباتشيوف آخر لا يمثل الا مرحلة انتقالية بين الامبراطورية الكبرى والدولة المحورية التي تواجه دول محورية اخرى لكن متعددة هذه المرة.
(صحافي – مقدم برنامج حواري على "قناة المنار")
"النهار"




















