في نهاية الاسبوع الماضي قامت صحيفة "يديعوت احرونوت" بفعلة تضليل للجمهور الاسرائيلي. ففي عناوين رئيسة ضخمة نشرت الصحيفة وثيقة تفيد بأن بنيامين نتنياهو وافق في ولايته الاولى على النزول عن كل هضبة الجولان، رغم كل نفيه الماضي. وحسب الصحيفة، التي تروج لكتاب اللواء احتياط داني ياتوم، فان الملياردير الأميركي اليهودي رون لاودر (الذي كان قناة سرية لبيبي مع الاسد) نقل الى الرئيس الاميركي كلينتون، وثيقة من ثماني نقاط عن اتفاق شبه نهائي بين سوريا واسرائيل. البند الاول في الاتفاق، حسب وثيقة "يديعوت احرونوت"، يتحدث عن موافقة اسرائيلية عن الانسحاب من هضبة الجولان "الى حدود متفق عليها تستند الى خط 4 حزيران 1967"، وان الانسحاب سيتم على ثلاث مراحل وينتهي بعد 18 شهرا. الشروحات المرافقة لم تترك مجالا للشك: نتنياهو كذب على مدى السنين؛ هو ايضا كان مستعدا لان يسمح للسوريين بالنزول الى بحيرة طبريا وخيانة كل سكان هضبة الجولان، وخيانة رجال "الليكود" الذين صوتوا له.
وبالفعل، ماذا كانت حقا الوثيقة التي نقلها لاودر الى كلينتون وماذا ورد فيها؟ دنيس روس مبعوث كلينتون الى الشرق الاوسط، يتناول باستطراد "وثيقة لاودر" في كتابه عن "السلام المفقود" (صفحات 509، 515 – 519). ومن اقواله المفصلة النقاط الاساسية التالية: اولا، وثيقة الثماني نقاط للاودر لم تعرض على الاطلاق على كلينتون. عرضت عليه وثيقة اخرى من عشر نقاط، تختلف في معظم التفاصيل الجوهرية عن الوثيقة التي نشرتها الصحيفة في نهاية الاسبوع. العنصر التفصيلي الاهم هو انه في وثيقة العشر نقاط التي عرضت على كلينتون (والتي كان لباراك، رئيس الوزراء والمسؤول عن ياتوم، الصيغة ذاتها بالضبط التي عرضت على كلينتون) لم يذكر على الاطلاق خط حدود الرابع من حزيران بل قيل فيها ان الانسحاب الاسرائيلي سيكون على اساس خط الحدود الدولية للعام 1923. الفارق بين الامرين هوة واسعة: خط 4 حزيران المقدر يمر غرب خط الحدود الدولية، يدخل الى بحيرة طبريا ونهر الاردن، بما فيها ينابيع الحمى. باختصار: اجزاء من اراضي دولة اسرائيل السيادية. الانسحاب الى هذا الخط اصبح لدى السوريين موضوعا مقدسا، حين اعلنوا ويعلنون بأنهم لا يعترفون بالحدود الدولية للعام 1923 بصفتها نتاجا استعماريا.
ثانيا، من المراجعات التي اجراها الاميركيون مع الاسد شخصيا، وكذا مع مستشاريه، اتضح ان الوثيقة التي عرضها لاودر على كلينتون لم تكن بأي حال وثيقة وافق عليها السوريون او حتى بيبي وافق عليها. وبتقديرهم، هذه ورقة عبرت بقدر اكبر عن أماني لاودر مثلما عبرت عن سوء فهمه المهني في "التفاصيل الصغيرة"، المزعومة. الواضح كالشمس هو انه في كل الاحوال لم يقل لاودر ولم يلمح ولم يكتب بأن بيبي وافق على الانسحاب الى خط 4 حزيران. اذن ما هي هذه الوثيقة التي اصدرها ياتوم الى النور: قراءة في صفحة 519 في كتاب دنيس روس تبين امكان ان تكون هذه ورقة مسودة داخلية من لاودر ادخل اليها المواقف كما عرضها عليه السوريون. بتعبير اخر، هذه الى هذا الحد او ذاك "ورقة سورية". لا اتفاق مع اسرائيل ولا تعهد من نتنياهو.
("معاريف" ترجمة "المصدر" – رام الله )
"النهار"




















