أبرز كوثراني في أبحاثه، أن المفهوم العام لعمل السلطة ووظائفها في الإمبراطورية العثمانية لم يتأثر بالآراء الإسلامية إلاّ بشكل طفيف. ذلك لأن السلطنة العثمانية ما هي إلاّ استمرار للنموذج الذي أرسته السلطنتان البويهية والسلجوقية مع تخفف السلطنة العثمانية من السلطات المعنوية للخلافة وذلك لدمجها وظيفة الخلافة بمهام السلطان، إذ ادعت أن آخر الخلفاء العباسيين قد تنازل عن الخلافة للسلطان سليم الأول عند دخوله مصر، وقد جرى تداول هذه (الحكاية) على نطاق واسع، مع العلم أن لقب الخليفة لم يكن اللقب الأهم لدى السلاطين العثمانيين، ولم يتخذه كلقب رئيسي سوى السلطان عبدالحميد الثاني، وذلك للاستخدام السياسي لحشد المسلمين وراءه في الصراع مع الغرب. فنظر الكوثراني إلى تنظيم السلطنة العثمانية على أنه يندرج "في سلسلة الدول التي قامت في التاريخ الإسلامي على قاعدة التغلب، أو مفهوم "أمارة الاستيلاء" الذي نجد لدى الماوردي تبريراً شرعياً له. إذ يحصل السلطان أو (أمارة الإستيلاء) على الشرعية اللازمة من الخليفة بعد ممارسة السلطان أو (أمير الاستيلاء) لمهامه الفعلية المقتطعة من الخليفة، فتصبح السلطنة وفقاً لهذا الاعتراف الشكلي مقبولة لدى جمهور الفقهاء كـ(سلطة ضرورة ) يحتّمها الأمر الواقع وحاجة الاجتماع البشري.
أما عن العلاقة بين الفقيه والسلطان فقد استقرّت على نوع من التكامل الوظائفي، فهناك سلطنة تفرض عليها ضرورات السياسة أنماطاً من التنظيم والتدبير، وأنواعاً من الحلول والقوانين، وأشكالاً من الأعراف والتقاليد، من جهة، وبين مجتمع إسلامي يبحث عن شرعية إسلامية لسياسة الدولة، من جهة أخرى، فيأتي الفقهاء ليسبغوا عليها هذه الشرعية.
إذ إن الطابع العام للعلاقة بين الفقيه والسلطان يقوم على نوع من التكامل الوظيفي، وشكل هذا التكامل الوظيفي بينهما إطاراً تأسس في أجهزة وأقنية ومؤسسات ووسائط تتوسط بين المجتمع وأهل الدولة، وأهم هذه الوسائط: القضاء التعليم الزوايا الصوفية، ومشيخة الإسلام المُستحدثة في العهد العثماني. فغدا التعليم والقضاء، والمؤسسة الفقهية ممثلة بمشيخة الإسلام، بمثابة جسور التلاقي بين الفقية والسلطان، وقد حرص السلطان من جانبه على تثبيت هذ الحيز من العلاقة مع الفقهاء، وهو حيّز لا يمس استقلال المؤسسة السلطانية.
ورسم كوثراني مشهد العلاقة بين السلطنة كمؤسسة سياسية وبين الهيئة الدينية، بالعودة إلى خبرة التاريخ الإسلامي، وخاصة في المرحلة العثمانية والصفوية، التي تفيد أنه لم تكن ثمة علاقة بين رسم السياسات السلطانية بشأن الحروب والمعاهدات، وبشأن السياسات الدولية وبين فتاوى الفقهاء، فلقد تحددت الأدوار بين الهيئة السلطانية ومشيخة الإسلام وفقاً لأعراف وموازين قوى.
وذهب كوثراني خطوة أبعد، فأكد على الطابع المدني للسلطنة العثمانية، فيقول "فالسلطنة كأمر واقع وظاهرة تاريخية، كانت تذهب، معزولة عن سياقها الشعبي والتعبوي، نحو حكم علماني دنيوي قد يختلف عن أحكام الشريعة ". وقد ساهم تطور بناء السلطنة العثمانية، مع الزمن، في إضعاف استقلالية المؤسسة الدينية أمام السلطة السياسية وأجهزتها، ويذكر أن مرحلة المفتي أبي السعود، التي شكلت "مرحلة انعطاف في تاريخ مناصب الإفتاء في الدولة العثمانية (عينه السلطان سليم واستمر في عهد سليمان القانوني)، فمنذ هذه المرحلة، وهي مرحلة التأسيس التشريعي والقانوني الدائم للدولة(تشريع قانون نامة منسوب إلى سليمان القانوني)، دخل منصب الإفتاء في إطار المؤسسة الإدارية والقانونية تحت عنوان "مشيخة الإسلام" وانتظم في مكاتب وإدارة ومراسيم وموظفين، واكتسبت مؤسسة الإفتاء (مشيخة الإسلام) تنظيماً إدارياً واسعاً وأضحت مركزاً من مراكز القوى السياسية في الدولة. . ونُظمت العلاقة بين شيخ الإسلام والصدر الأعظم والوزراء وفق بروتوكولات محددة. عندها تحولت وظائف المؤسسة الدينية العثمانية التابعة للدولة إلى منافذ للجاه والمال، وتمكين سلطة المتغلبين من العساكر أو من الأمراء، وغدا الوضع برمته يتجه نحو توحيد مؤسسة الإفتاء والقضاء في الدولة، في حين كان المجتمع يتجه نحو التفكك وبروز أمراء التغلب في الأطراف، فأضحى الشيخ أو الوالي يبحث الإفادة من نظام التلزيم والجباية.
فقد أضحت المؤسسة الدينية جزءاً من مراكز القوى، تميل عبر شيخ الإسلام والقُضاة، إلى القوة الغالبة سواء تمثلت بالسلطان أو بالانكشارية". ذلك أن السلطنة قامت بتنظيم العلماء على شكل سلسلة مراتب بمرتبات تجري عليهم بانتظام. وكان رؤساء هذه المراتب الدينية، وهم شيوخ الإسلام وكبار شيوخ القضاء والإفتاء يُستشارون في شؤون الدولة العليا، بينما رعت السلطة المدارس الدينية وقام قضاة الأقاليم بتسهيل سبل الاتصال والترابط بين الحكومة المركزية والرأي العام. وبناء على ذلك، شكلت المؤسسة الدينية نافذة لـ"المؤسسة الحاكمة" على المجتمع عبر وظيفتها القانونية والتعليمية في الولايات والمقاطعات، بيد أن هذه النافذة لا تستوعب كل العلماء، من هنا يرى كوثراني أن وضعية الهيئة الدينية هذه لم تغلق الباب نهائياً على إمكانيات الخروج على نهجها الموالي للسلطة، إذ بقى الإطار مفتوحاً لاستقلال قسم من العلماء عن المؤسسة الحاكمة، وهذا فتح السبيل أمام بروز الحركة الإصلاحية الإسلامية من خارج المؤسسة الدينية.
المستقبل –




















