قيل إن "العولمة" ألغت تقاليد سياسية ظلت راسخة مثل التكتلات العسكرية بين الحلفاء والاستمرار بالقواعد العسكرية ؛ لأن الحكم بات للمحرّك الاقتصادي الذي عبر القارات بدون جوازات سفر وتأشيرة دخول أو خروج، وأن الشركات العظمى وهي المتحكم الأساسي بالأنظمة لم تعد محليّة بتطلعاتها واستثماراتها، ومن هنا خف الصراع السياسي والعسكري بين القوى العظمى لصالح الاقتصاد..
ألمانيا نموذج منفرد ليس في أوروبا فحسب وإنما في العالم، فقد خرجت من الدمار إلى أسرع بناء باستعادة الثقة بنفسها والتحول من دولة تتلقى الدعم إلى رقم مهم في خانة الكبار، وهذا التطور جاء نتاج شعب عظيم لا يستسلم، وحتى مع انضمام قطاعها الشرقي بعد بقائه في الفلك الشيوعي، والذي كان عبئاً كبيراً على قطاعها الغربي عندما بدأ البناء من جديد في تأهيل جيل قادم من نظام قسري وتركيبة حزبية باتجاه واحد إلى دولة ديموقراطية متطورة فقد استطاعت دمج القطاعين بدون معاناة أو معونات خارجية، مما جعلها قائدة المركبة الأوروبية اقتصادياً وعلمياً..
هواجس الخوف من ألمانيا قوية ولا تزال تكمن في العقل الأوروبي، فنازيّتها دمرت جزءاً كبيراً من العالم وخاصة أوروبا وروسيا، وعودتها لأنْ تكون قطباً اقتصادياً تؤكد أنها تستطيع إملاء شروطها على الاتحاد الأوروبي، لكن الخوف الأكبر عندما بدأت تتجه استثماراتها إلى روسيا، وهي الدولة العظمى ليس بسلاحها النووي وطواقمها العلمية، وإنما بثرواتها الهائلة، والتي ترى ألمانيا أنها أقرب الدول إلى هذا الكيان الهائل، ولا يأتي هذا تلبية لرغبات عاطفية للاعتذار عن ماضٍ دموي ومأساوي، وإنما هو تطلع إلى استغلال تلك الثروات، وهذا لا يتطلب عقد تحالفات عسكرية أو إنشاء منظومات دفاعية وهجومية، بل يحتاج عقوداً سلمية تجري بين كل الدول بعقائدها المختلفة وبيئاتها المتباعدة..
فألمانيا لديها البعد الجغرافي والتمدد الأوروبي، وتمتلك تقنية متقدمة في كل المجالات ، وتتطلع لأنْ تكون قطباً في المنافسات العلمية، وعندما تتزاوج المصالح مع روسيا كواحدة من أكبر الكيانات الجغرافية في العالم بثرواتها الطبيعية ومسطحاتها المائية، فالإغراء يأتي من مكاسب لطرفيْ العلاقة وعلى مدى طويل..
الأوروبيون وأمريكا لا يثقون بروسيا، وهم يريدونها دولة في العالم الثاني ويتحدثون عن عقدة الدولة العظمى التي لم تعد تملك هذه الشروط، وأن التركيز على الصناعات العسكرية يأتي للمحافظة على الهيبة، لا الدليل على القوة، لكن نظرة ألمانيا مختلفة أي أنها تعتبر روسيا رصيداً هائلاً للمستقبل البعيد، وهذا ما يضاعف هاجس الخوف أيْ أن أيّ تقارب بين البلدين يعني رفع الحصار عن روسيا، وخاصة عندما يأتي من بلد بحجم ألمانيا، غير أن الأمور لا تدار بالعواطف فكل منهما يتطلع لأنْ يكون رقماً في معادلات المستقبل البعيد، وطالما الأمر لا يتعلق بتحالف عسكري فكل الحجج تتساقط لكن ما يخيف الأوروبيين أن يتطور هذا التعاون إلى حلف اقتصادي لا يمكن مواجهته، وهذا هو الوجه المخفي من العملية التي لا يفصح عنها الأوروبيون وأعداؤهم..
يوسف الكويليت
الرياض




















