جاءت القمة الثلاثية التي انعقدت في نيويورك على هامش الدورة التاسعة والستين للجمعية العمومية للأمم المتحدة وبمشاركة الرئيس محمود عباس والرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لتكون في نظر العديد من المراقبين مجرد مجاملة دبلوماسية للرئيس اوباما، وتقديرا من الجانب الفلسطيني لجهود ادارته الرامية لتحريك عملية السلام .
ولم تكن هذه القمة ، في رأي معظم المراقبين ، مستندة الى النتائج التي احرزتها هذه الجهود – وهي نتائج ضئيلة ان لم تكن معدومة، بسبب اصرار حكومة نتنياهو على توسيع الاستيطان والوقوف في وجه الحقوق الفلسطينية المشروعة ، والتمسك بأحلام اسرائيل الكبرى التي عفى عليها الزمن .
وقد اثبت الجانب الفلسطيني وبشكل عملي التزامه بخطة خريطة الطريق ، وخصوصا البنود الأمنية ، وقام بترسيخ مؤسسات الدولة الفلسطينية التي سعت الخطة الى إقامتها.
أما الحكومة الاسرائيلية فلم تكتف بالتهرب من تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في خطة خريطة الطريق ،وفي مقدمتها تفكيك البؤر الاستيطانية التي اقيمت منذ آذار ٢٠٠١ والعودة الى الخطوط التي سبقت ايلول من العام ٢٠٠٠ وعدم الوقوف في وجه اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة والمتواصلة والمتصلة جغرافيا، وانما امدت البؤر الاستيطانية بمقومات الحياة والتوسع وشجعت اقامة المزيد منها وبنت المئات من الوحدات السكنية في المستوطنات وهي تخطط لبناء الآلاف منها دون ان تفكر مجرد تفكير في تجميد الاستيطان.
حكومة نتنياهو تتحدى علنا وبشكل سافر ادارة اوباما ، وتحرجها امام العالم وامام الدول التي تتحين الفرص لتحدي واشنطن وترى في الموقف الاسرائيلي المستهين بالمطالب الأميركية مشجعا على اتخاذ مواقف مشابهة تجاه الولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بالملفين النوويين لايران وكوريا الشمالية.
كما ان نتنياهو يستخف بالمجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية حول مبادلة الاراضي المحتلة بالسلام العادل والشامل في المنطقة.
وهكذا يلقي رئيس الوزراء الاسرائيلي بقفاز التحدي في وجه العالم كله بما في ذلك حليفة اسرائيل الكبرى وولية نعمتها الولايات المتحدة.
ومن هنا فان أي لقاء يعقد كنوع من المجاملة الدبلوماسية للولايات المتحدة، وفي غياب اي تغيير ملموس في المواقف الاسرائيلية، وبعيدا عن الاستجابة لمطلب الوقف الكامل للاستيطان وتفكيك البؤر الاستيطانية ، وتنفيذ بنود المرحلة الأولى من خطة خريطة الطريق لن يكون له أي جدوى أو أثر لجهة تحريك او تفعيل عملية السلام المجمدة فعليا منذ تسعة اعوام وأكثر.
وكل ما سيتمخض عنه أي لقاء من هذا القبيل هو لفت الأنظار الى التصلب الاسرائيلي والعقبات المتتالية التي لا تكف اسرائيل عن وضعها في طريق الحلول السلمية للقضية الفلسطينية خاصة، والنزاع العربي الاسرائيلي على وجه العموم.
وعلى الاسرة الدولية التي يتحداها نتنياهو على هذا النحو ان تدرك ابعاد هذا التحدي الاسرائيلي ومخاطره على الأمن والسلم في المنطقة والعالم. ويملك المجتمع الدولي من الوسائل ما يمكنه من الضغط على اسرائيل لتدرك ان الثمن الذي يمكن ان تدفعه مقابل الاحتلال والاستيطان يفوق قدراتها الاقتصادية والسياسية .
والسؤال هو : ما الذي ينتظره العالم للتلويح على الاقل بهذه الوسائل التي في حوزته؟ فالاستيطان يتسارع ويهدد بابتلاع الضفة الغربية وغمرها بمئات المستوطنات ومئات الآلاف من المستوطنين (عددهم الآن يزيد بالفعل عن نصف مليون مستوطن) . فمتى تتحرك الأسرة الدولية؟ وحتى متى يستمر الصمت والتفرج على معاناة الفلسطينيين؟
القدس




















