نصير الأسعد
في المشهد العربي ـ الإقليمي متغيرات، ولو أن هذه المتغيرات لا تبدو "نهائية" بعد، أي أنها تندرجُ في سياق إفتتاح مسار وليس في سياق واقع "راسخ".. حتى الآن.
الخط السعودي ـ السوري
أمس، بدأ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز زيارة هي الأولى له منذ توليه العرش إلى سوريا تنتهي غداً. وتتوّج هذه الزيارة "تواصلاً" سعودياً ـ سورياً مستمراً منذ شهور، وقد وُضع من الجانب السعودي في نطاق هدفين متلازمين. الأول هو "إستعادة" سوريا إلى إستراتيجية النظام العربي المتمثلة بمبادرة السلام العربية في ما يتصل بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وقضية فلسطين. والثاني هو "فصل" سوريا عن إيران.. عن الإستراتيجية الإيرانية إقليمياً.
التفاوض الدولي ـ الإيراني
وفي إنتظار ما يمكن أن يُفضي إليه الخط السعودي ـ السوري المفتوح، كان متغيرٌ يظهرُ في مكان آخر. والمفاوضات الدولية ـ الإيرانية حول المسألة النووية هي هذا المتغيّر. لا شك أن هذه المفاوضات تجري على شروط المجتمع الدولي. ولا شك أن ثمة حذراً دولياً من محاولات طهران كسب الوقت. ولا شك أن العلاقة الدولية بإيران لا تزال مفتوحة على مواجهة، عقوباتٍ إقتصادية أو عملاً عسكرياً، لكن لا شك في المقابل أن هناك مدى زمنياً مقبولاً للحوار.
المثال "الحمساوي"
في هذا "المناخ"، أي على تقاطع المتغيّر على الخط بين الرياض ودمشق من جهة، والمتغيّر على خط التفاوض الدولي ـ الإيراني من جهة أخرى، أعطت حركة "حماس" في فلسطين مؤشرات "مواكبة" من جانبها لهذه المتغيّرات. وتكثفت تلك المؤشرات جميعاً عند نقطة رئيسية هي الموافقة على المبادرة المصرية من أجل مصالحة فلسطينية ـ فلسطينية. ومع أن المصالحة الفلسطينية مسارٌ معقد في ذاته، وقد تتخلله "مطبّات" عديدة (من مثل ما ذكر أمس عن طلب "حماس" تأجيل التوقيع على اتفاق المصالحة، فإن المؤشر البارز في هذا الإطار هو أن "حماس" إذ "إستشعرت" المتغيّرات من حولها، بدت وكأنها في صدد ترجيح خيار "التسوية" في الداخل الفلسطيني، وهذا ما سوف يتضح تباعاً.
الأسباب الموجبة لـ"حزب الله"
السؤال الذي يطرحُ نفسه في ظل التطورات العربية والإقليمية وما تحتمله من متغيّرات، هو الآتي: ألم يحِن الوقت لدى "حزب الله" في لبنان لترجيح خيار التسوية اللبنانية الداخلية؟
في محاولة الإجابة عن هذا السؤال، وبعيداً ـ لبعض الوقت ـ عن الإحتمالات الإقليمية، ثمة ضرورة للقول من جانب المتابعين إن "حزب الله" أصيب، خلال عام ونصف العام بالتحديد، بمجموعة من الخيبات ومُنيَ بعدد مماثل من الخسائر.
خلال عام ونصف العام.. أي منذ أيار 2008.
لا شك أن خيبة "حزب الله" من أيار 2008 كانت كبيرة، بما هي خيبة بإزاء فشل الرهان على التغيير السياسي في لبنان بالقوة.
وإذا كان الرهان على حرب غزة بين نهاية 2008 وبداية 2009 يُعدّ من الرهانات الخاسرة، فإن خيبة أيار 2008 لم يمكن "تعويضها". ذلك أن "حزب الله" الذي "إكتشف" أن الممر إلى التغيير هو صناديق الاقتراع، لم ينجح في 7 حزيران 2009 عبر صناديق الاقتراع في تغيير التوازن السياسي لصالحه وصالح حلفائه.
خسائر سياسية: مصر والخليج
بين أيار 2008 وحزيران 2009، ثم بعد حزيران 2009 مروراً بـ"زلزال" الانتخابات الإيرانية، كان "حزب الله" يحصد خسائر سياسية "مهمّة".
لا يمكنُ في أي حالٍ من الأحوال عدم إعتبار "الأزمة" التي نشبت بينه وبين مصر على خلفية "الخليّة" المُحالة حالياً إلى المحاكمة، خسارة سياسية لـ"حزب الله".
ولا يمكن في أي حال من الأحوال عدم اعتبار عشرات المبعدين اللبنانيين من دولة الإمارات العربية خسارةً سياسية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أوضاع "أقسام" عدة من الإنتشار اللبناني في الدول العربية والخليجية. بطبيعة الحال، لا تزال أسباب الإبعاد بحاجة إلى متابعة على مستوى دولتَي لبنان والإمارات. بيدَ أن "حزب الله" معنيّ ـ بالمحصّلة ـ بتقويم نتائج سياسته، سياسة التعاطي مع الإنتشار الشيعي ـ اللبناني، من إفريقيا إلى آسيا ومن القارة الأميركية إلى المنطقة العربية، لأنه سيكتشف بلا ريب أن جوانب رئيسية من هذه السياسة يمكن أن تولّد خسائر سياسية "كان يمكن تفاديها".
ولا يمكن في أي حال من الأحوال، ومن غير دخول في التفاصيل، عدم إعتبار "إفلاس" صلاح عزالدين خسارة "مالية" و"شعبية" (بالعلاقة مع الناس) وسياسية أيضاً.
وهذه العناوين تكفي لتوجيه السؤال الآتي: ألم يحن الوقت بالنسبة إلى "حزب الله" لتقويم هذه الخسائر والإنطلاق من التقويم لترجيح خيار التسوية اللبنانية الداخلية.. التي تجيب عن هواجس الحزب وتجعل منه حزباً "طبيعياً"؟
إن الإعتقاد السائد لدى معظم المتابعين هو أن "حزب الله"، بالإعتبارين الإقليمي والداخلي، لا بد أن يضع في الحسبان "مكوّنه اللبناني" ـ إذا جاز التعبير وأن يرجّح خيار التسوية اللبنانية.
اللحظة اللبنانية: جاهزية 14 آذار
و"يصدف" ذلك في لحظة لبنانية مؤاتية.
واللحظة اللبنانية المؤاتية هي بالضبط إنفتاح 14 آذار على التسوية وإستعدادها للمضيّ فيها قدماً. وقد ظهر هذان الإنفتاح والإستعداد في إطار البحث الحكومي. ليس فقط إذ وافقت 14 آذار على تشكيل حكومة إئتلافية. لكن أيضاً إذ فتح الرئيس المكلف سعد الحريري الباب على مصراعيه للتوصل من خلال المشاورات والإتصالات إلى إطار سياسي للتسوية، في ما يتجاوز التوزيع العددي والحقائبي.
إنها اللحظة اللبنانية المؤاتية لعودة الأمور إلى "طبيعتها".. لعودة لبنان إلى "طبيعته".




















