ليس من شك في أن الخطاب الذي ألقاه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم رد الرئيس محمود عباس عليه وردود الأفعال المتبادلة بين القياديين في حركتي "فتح" و"حماس"- كل ذلك قد أعاد الساحة الداخلية الفلسطينية شهورا عديدة إلى الوراء، إلى الأيام التي كانت فيها الحملات الإعلامية المتبادلة بين الجانبين على اشدها.
ولسنا هنا في معرض مناقشة محتوى هذه الحملات المتبادلة ولا الاتهامات المتناثرة ذات اليمين وذات الشمال، فهذه أمور اصبحت معتادة لدى الكوادر السياسية المتناحرة في بلادنا، ولا نعتقد أن أحدا يأخذها مأخذ الجد. لكن انعكاساتها على صعيد الجهود المبذولة لإعادة توحيد الوطن الممزق هي انعكاسات سلبية خصوصا وأن هناك جهات اقليمية متعددة، ولا ننسى اسرائيل بطبيعة الحال، سوف تنفخ على نار الفرقة وترش الزيت عليها، بحيث يصبح الأمل -ولا نقول الحلم- بالالتقاء الوطني الشامل نوعا من السراب مستحيل التحقيق.
وليس من المنطقي أو المعقول أن يتمحور الخلاف بين الفصيلين حول تقرير غولدستون، بدلا من أن يكون هذا التقرير بما تضمنه من إدانة لاسرائيل، عنصر جمع وتوفيق بين ابناء الوطن الواحد. وما يلاحظ من مواقف الجانبين هو أن التقرير وتأجيل التصويت عليه في المرة السابقة، قد نكأ الجراح التي كان المواطنون يأملون أن تكون اندملت. فإذا بها تعود بقوة من خلال الاتهامات والاتهامات المضادة، وينسى المتناحرون أن اسرائيل هي التي شنت العدوان على غزة، وهي التي تسببت في مقتل الف واربعمائة من المواطنين الأبرياء معظمهم من الأطفال والنساء، في مشاهد اهتز لها ضمير العالم، وما يزال يندى لها الجبين الانساني.
ويستغرب المواطنون ،ولهم كل الحق في ذلك، أن يتحول تقرير غولدستون الى لعنة لا تصيب من أدان التقرير سلوكياتهم، وانما تضرب وبقوة محاولات تنشيط الحوار الوطني، وفرص التوقيع على اتفاق للمصالحة تحت الرعاية المصرية. وهاهي حماس تؤجل مواعيد ذهاب مندوبيها الى القاهرة، وتبدي تحفظات على الورقة المصرية المعدلة، كما أن حركة "فتح" تتعامل مع موقف حماس بشكل يفتقر الى التعاطف أو محاولة التفهم والتفاهم .
ويبدو واضحا للمواطنين أن كلا من الفصيلين الكبيرين متمترس في مواقعه، مرتاح إلى حالة الانفصال الواقعية بين جناحي الوطن الواحد، ولا يعنيه بشكل جاد التغلب على الصعاب والعقبات والحساسيات التي حالت وتحول دون انهاء القطيعة ونسيان حزازات الماضي القريب.
ان على "فتح" أن تعمل على التقارب مع الطرف الآخر الذي تجمعه به عوامل الانتماء الفلسطيني الواحد، مهما اختلفت الاجتهادات وتباينت التكتيكات . وعلى "حماس" أن تدرك بأن "فتح" هي السباقة في تاريخ النضال الوطني. وعلى الفريقين أن يعلما بأنه لا سبيل لأي منهما لشطب الآخر، أو حتى تهميشه. كما أن موضوع تداول السلطة متروك للشعب وصندوق الاقتراع: وهو خيار الديموقراطية الذي سيحسم كل الخلافات وكل المجادلات البيزنطية العقيمة الدائرة حاليا.
تقرير غولدستون سيتم التصويت عليه في مجلس حقوق الانسان الدولي يوم الجمعة القادم، والمأمول أن يؤدي التصويت إلى طي الصفحة الحالية المحزنة من المهاترات والاتهامات بين ابناء الوطن الواحد. لكن ،وكما علمتنا التجارب السابقة والراهنة، فان هناك هوة عميقة بين الآمال والواقع المرير الذي لا يريد قادتنا من الجانبين الارتفاع فوقه نحو مسؤولياتهم تجاه الشعب ووحدته وقضيته، ومستقبله على ارض وطنه.
القدس




















