توقع امتناع أميركا عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن، وتمريرها تقرير القاضي غولدستون الذي يتهم اسرائيل بجرائم حرب في غزة، احتمال لا يقترب حتى من واحد في المليون. لكن ما هو في صميم الواقع ايضاً ان التقرير الذي لن يصيب من إسرائيل إلا سمعتها ولبعض الوقت، أصاب مشروع المصالحة الفلسطينية في مقتل جديد… بعد شهور طويلة من الحوار المرّ بين السلطة و «حماس».
ما هو في صميم الواقع الأسود لليل المنطقة الطويل، ان يتحول تقرير يدين العدو لجميع الفلسطينيين، الى خنجر يستخدمه بعضهم إمعاناً في مشروع الانتحار الجماعي… بعدما بلغ اليأس من إمكان استعادة وحدتهم، موطناً عميقاً في نفس كل فلسطيني، عمق أنفاق غزة، ونفق التناحر بين السلطة و «حماس».
حين اعترفت السلطة بخطئها في طلب تأجيل التصويت على تقرير القاضي غولدستون، وتراجعت، أصرت «حماس» على جَلد الذات، فيما تعتبر انها ترجُم الخطيئة بأقذع عبارات التنديد بالرئيس محمود عباس. نسيت الحركة ان غولدستون اتهمها ايضاً بانتهاكات لحقوق الإنسان، وما لبثت ان حوّلت الخنجر الى صدر الفلسطيني الرئيس.
ليس دفاعاً عن عباس الذي تراجع عن الخطأ – «الفضيحة»، ولكن بحثاً عن مفردات سياسة، أي سياسة غير الانتحار الجماعي الذي يبدو ان بعض قادة الفصائل الرئيسية يجد نفسه أسيراً له على طريق حتمية. وإلا بماذا يُفسر نسف مشروع المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، كلما اقترب من فصل التوقيع؟ وإذا كانت القيادة في رام الله تعزوه الى الارتهان لإرادات «إقليمية»، لا يصعب التكهن بهويتها، لا بد من ان يكون «الخصم» أي «حماس» في قفص الاتهام بالتضحية بمصالح الفلسطينيين، وهدر فرص إنقاذهم لحساب الخارج الإقليمي. أما إن كانت الحركة تعتبر عباس عدواً، فلماذا تحاوره، ثم تلتقط فرصة – ولِدت فجأة – بموت شقيق أحد قادتها في سجن مصري، وتثير شكوكاً في صدقية وسيط الحوار والمصالحة، إذ تتهمه بتعذيب الشقيق؟
كل ذلك ضمن مجريات ربع الساعة الأخير في إنجاز المصالحة التي استنزفت الكثير من جهود القاهرة، بعد الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة. هناك، في القطاع حيث «الإمارة الظلامية» – والتعبير لعباس – لم يكسب فلسطيني رغيف خبز بسهولة بعد حرب الإبادة، ولم يُبنَ منزل تهدم وتشرد أهله، ولم يُرفع حصار يضاف الى ظلمه ظلم القصف اليومي بالاتهامات، بين السلطة و «حماس».
إن كان من المفارقات ان تدّعي تسيبي ليفني حرصها على مشاعر السلطة الفلسطينية، باتهامها نتانياهو بإهانة هذه السلطة بخطة الاستيطان، لا يكترث الفلسطيني في الضفة وغزة بتذكير الوزيرة السابقة بدفاعها عن حرب الإبادة بذريعة اقتلاع «إرهاب حماس». الواقع الأقرب الى الحاضر الأسود لدى غير القادة الفلسطينيين، أن نتانياهو يستكمل ابتلاع القدس ويباشر «معركة سيادة» على المسجد الأقصى، فيما يتبجح بـ «كرمه» بإتاحة ظروف «لتحسين حياة الفلسطينيين»… وفيما هم بين نار اليمين الإسرائيلي العنصري، وجحيم «ملحمة» الصراع بين «فتح» و «حماس».
وإذا كان الإنصاف يقتضي تسجيل نقاط لمصلحة الرئيس عباس إذ يتحدى «حماس» أن تحتكم الى صناديق الاقتراع والحوار، أي لغة العقل، ويقبل بتنازلات لترجيح كفة المصالحة، وتخفيف مآسي شعبه، فالحال ان خطابه في جنين يستجيب محاولات استفزازه، لفتح صفحة أخرى من حرب التراشق والتصعيد، باتهام قادة «حماس» بالهروب خلال الحرب الإسرائيلية. يجزم عباس بأنه يكشف حقيقة، والسؤال لماذا الآن يرد على الحركة بما يصمها به، أو يتيح لها ذريعة لنسف توقيع الورقة المصرية للمصالحة؟
سقطة أخرى قد تراها «حماس» في «خطايا» السلطة، تحديها الحركة قبول توقيع وثيقة المصالحة الآن، وإلا سيف انتخابات في كانون الثاني (يناير) المقبل، لتفادي الفراغ الدستوري، رئاسياً ونيابياً.
وبين خطأ وخطيئة، يتبادل عباس و «حماس» التحدي، بجدارة القادر على الرد. لكنه الرد الذي يضع كل فلسطيني ينجو من صواريخ اسرائيل وخططها للتهويد، بين نار قادته وجحيمها.
في تقرير غولدستون، وبعيداً من الدور الذي اتهم به الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لجعل التصويت في الجمعية العامة لا في مجلس الأمن، الجانب الأخلاقي الإنساني جوهر مهمة القاضي، أو هكذا يفترض.
… في حسابات صراع السلطة و «الإمارة»، يتراجع الإنساني لمصلحة عُقدة الحكم و التحكم. ترتكب ألف خطيئة في حق فلسطين باسم البرامج السياسية والوطنية والصمود، وحتى مشروع المصالحة… الجميع منهمك، لا وقت لإحصاء شهداء الصواريخ الإسرائيلية.
الخناجر «وطنية» في ليل فلسطين الطويل.
"الحياة"




















