للمرة الأولى منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو تشهد مكانة إسرائيل الدولية هذا المقدار من التراجع والتدهور في علاقاتها الخارجية مع عدد من حلفائها الأساسيين في العالم والمنطقة. بدءاً من التوتر في العلاقة مع الإدارة الأميركية والرفض الإسرائيلي القاطع للطلب الأميركي تجميد الإستيطان تجميداً كاملاً الأمر الذي أطاح كل المساعي التي بذلتها إدارة أوباما حتى الان من أجل اعادة تحريك المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين أو يكاد يطيحها؛ مروراً بالتوتر مع الأردن الذي هدد قبل ايام باستدعاء سفيره في حال واصلت إسرائيل سياستها ضد الفلسطينيين في القدس، ونفذت مشاريع توسيع المستوطنات المحيطة بالمدينة القديمة، وإنتهاء بالأزمة التي انفجرت أخيراً مع تركيا التي رفضت مشاركة إسرائيل في المناورات العسكرية المشتركة احتجاجاً على الممارسات الإسرائيلية خلال الحرب على غزة وتعبيراً عن رفضها للسياسة الإستيطانية وتهويد القدس.
وفي الواقع منذ تسلم زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان وزارة الخارجية بدأ مسلسل الأزمات الديبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول. من الأزمة مع السويد التي كادت تتحول اشتباكاً ديبلوماسياً في أعقاب الهجوم الذي شنه ليبرمان على الخارجية السويدية لرفضها إدانة التقرير الذي نشرته إحدى الصحف السويدية عن متاجرة ضباط في الجيش الإسرائيلي بأعضاء الأسرى الفلسطينيين؛ الى الطلب الذي تقدم به ليبرمان لطرد المراقبين النروجيين العاملين ضمن القوة الدولية في مدينة الخليل في الضفة الغربية عقاباً للنروج لقيامها ببيع حصتها في احدى الشركات الإسرائيلية التي تقوم بتجهيز جدار الفصل في الضفة بأجهزة مراقبة وذلك احتجاجاً منها على بناء الجدار؛ الى مواقف ليبرمان المتطرفة الرافضة للمبادرة الأميركية لإحياء العملية السلمية والتي كانت دائماً موضع استياء وامتعاض من جانب إدارة أوباما، وجعلت وزير الدفاع إيهود باراك يحل محل وزير الخارجية في عملية التفاهم مع الأميركيين. ويمكن القول إن وزير الخارجية الإسرائيلي كان موضع انتقاد من عدد من الأطراف الى حد أن الرئيس نيقولا ساركوزي نصح نتنياهو بضرورة استبدال وزير خارجيته.
لكن ليس ليبرمان وحده المسؤول عن تراجع مكانة إسرائيل الدولية وعن الضرر اللاحق بصورتها تجاه العالم. وإنما المسؤول الأساسي هو الحكومة الحالية بأكلمها، والتي منذ وصولها الى الحكم لم تفتأ تضع العراقيل في وجه تحريك عملية السلام، وتصر بصور فجة على الوقوف ضد كل الدعوات الموجهة اليها لتجميد الإستيطان، وتشن حملة شعواء على المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بسبب تقرير لجنة غولدستون لتقصي الحقائق في غزة والذي اتهم إسرائيل بإرتكاب جرائم حرب، وتمنع مناقشته أو تبنيه وتمارس أمام دول العالم سياسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين في الضفة، وسياسة الحصار والتجويع ضد سكان قطاع غزة، وسياسة التمييز والتهميش ضد عرب إسرائيل. باختصارباتت إسرائيل تمثل أكثر فأكثر في نظر دول العالم بأكلمه صورة الدولة الغاشمة، المحتلة والعنصرية، و لم يعد مفهوماً في نظر العالم كيف تقول إسرائيل إنها تقبل بحل الدولتين وترفض من جهة أخرى تجميد الإستيطان الذي يشكل أكبر عقبة في وجه تحقيق هذا الحل. ولا يمكن هنا تجاهل الإنعكاس السلبي للتصلب الإسرائيلي في موضوع الإستيطان على المواقف الأميركية والأوروبية الداعمة لخطة أوباما السلمية في المنطقة. كما لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته هذه الأجواء في تشجيع تركيا على اتخاذ موقفها المتشدد من إسرائيل والذي يهدد بصورة جدية مستقبل التعاون الإستراتيجي بين الدولتين.
وهكذا يبدو واضحاً بعدما اعتقد نتنياهو أنه حقق انجازاً كبيراً في القمة الثلاثية في نيويورك عندما أجبر الرئيس أوباما على التراجع عن مطلب التجميد الكامل للإستيطان، انه يواجه اليوم وضعاً معقداً يكاد يهدد بعزلة إسرائيل دولياً.
لقد ساهمت الأزمة في العلاقة مع تركيا في تظهير الإنعكاسات السلبية للعرقلة الإسرائيلية لمعاودة المفاوضات مع الفلسطينيين، وأظهر التراجع في المكانة الدولية لإسرائيل أن هناك ثمناً سياسياً دولياً ستدفعه نتيجة عرقلتها حل الدولتين.
"النهار"




















