مراجعة: ريتا فرج
تشكل البيئات الحاضنة للتعدد الإثني والديني أكثر المجالات قابلية لانتاج التلاقح والتثاقف بين مكوناتها، على اعتبار أن هذا المعطى يؤدي بدوره الى خلق سياقات ثقافية منفتحة تسهم في إضفاء المزيد من الرونق الحضاري القائم على التسامح؛ تاريخياً أسست الحروب الأهلية والدينية في العالم الى تفعيل وتيرة العنف بدعوى الحفاظ على هوية الجماعة، وصون وجودها من الآخر، الذي تعتبره عاملاً مهدداً لكيانها، غير أن الدراسة الجادة لأسباب التقاتل في الحواضر الاجتماعية المتنوعة، تبرهن على أن التعدد يوظف لخدمة الهدف السياسي في سبيل إقصاء الدوافع الحقيقية للصراع الخفي على السلطة أو الموارد أو تنافر القوميات؛ ولعل المسألة السودانية بطرفيها الجنوبي والشمالي، والتي تعاني منذ أواسط القرن الثامن عشر حتى الوقت الراهن من ثقل الحروب الدينية، تؤكد على صحة الفرضية المشار اليها.
يعالج عبده مختار موسى في كتابه "مسألة الجنوب ومهدِّدات الوحدة في السودان" مجمل الأطر التاريخية والسياسية التي أعاقت الوحدة بين ضفتي السودان، وقد قسمت أطروحته الى مقدمة وخمسة فصول اعتمد فيها على المنهج التاريخي، وبيَّن بأسلوب إستقرائي رشيق العوامل المسببة للتباعد بين الجنوب المسيحي، و الشمال الإسلامي؛ والفكرة الأساسية التي ينطلق منها تنفي الخلاصات التقليدية التي تختزل المسألة في الاختلاف السياسي وإعادة توزيع الثروة وتقاسم السلطة، فالإشكالية الجوهرية لها بعدها السوسيولوجي خاصة أن السودان بمكوناته المختلفة يحتوي على 572 قبيلة و 115 لغة، ما يعني أن الاندماج الاجتماعي يمهد الطريق أمام إنصهار الإثنيات في الهوية الافريقية/ العربية المتشابكة.
يستهل الكاتب معضلة الوحدة في السودان بالحملات التركية/ المصرية، مفنداً الجغرافيا السياسية للبلاد، وتعدد قبائلها، ما أدخلها في صلب الصراعات الدولية التي افتتحت مع حملة اسماعيل باشا عام 1869 الأمر الذي مهد للتدافع الاستعماري الاوروبي، وتحديداً البريطاني الذي استغل تعدد الهويات، فعمل على تأطير قواعده الانشطارية في القسم الجنوبي من البلاد، بدعوى الحفاظ على المسيحيين الأفارقة من المدّ الإسلامي الوافد من الشمال.
لقد بلور البعد الديني مقياساً أساسياً لحالة التذرير في السودان، وفي هذا السياق يرى موسى أن الاستعمار الانكليزي استعان بالعامل الديني لتحقيق أهدافه السياسية عبر نشر الارساليات، ومحاولة نشر المسيحية بين القبائل. غير أن الأخطر من حملات التنصير محاولة تشويه الإسلام على اعتباره يهدد القارة الافريقية برمتها، والجدير بالذكر أنه في العام 1899 أجاز البرلمان البريطاني قراراً يلزم انكلترا" بواجب نشر المسيحية في السودان ودعم النشاط التبشيري".
ما إن تسلمت الحكومات الوطنية مقاليد السلطة في السودان أوائل الستينات، منعت الصلوات المسيحية خارج الكنائس، وطردت البعثات التبشيرية، ما فاقم من حدة الشرخ الديني خاصة أن التمرد في الجنوب تصاعد طلباً للإنفصال وذلك إثر رحيل الحكم الثنائي المصري/ البريطاني عام 1956. ومع وصول حكومة الانقاذ عام 1991 الى الحكم، أعلنت الجهاد ضد المتمردين الجنوبيين، وقامت بتطبيق الشريعة الإسلامية، فإرتفعت حالة التوتر بين الشمال والجنوب، ما دفع جون غارنغ زعيم الحركة الشعبية المتوفى عام 2005 إثر تحطم مروحيته، الى التشديد على العامل الديني للصراع في السودان، وعليه صوِّر الخلاف على أنه بين المسيحية والإسلام والعرب والأفارقة وهذا ما أكد عليه الكاتب مرات عديدة.
وفي طرحه لإشكالية جديدة: كيف تفسر النخبة الجنوبية طبيعة التنابذ بين الشمال والجنوب؟ يورد الكاتب مجمل الأفكار التي تتبناها الانتلجنسيا الجنوبية، كالعقدة الخلاصية المتمثلة باعتناق المسيحية كنتيجة للابادة الجماعية والاسترقاق، والتركيز على الهوية الافريقية للسودان واعتبار العرب أقلية دخيلة. ومن ناحية أخرى يعدد موسى أهم المهدِّدات التي تعيق الوحدة بين الشمال والجنوب معتبراً أن غياب الاندماج الاجتماعي، والحضور الكثيف للاصطفاف الديني، واختلاف العادات والتقاليد، وتعدد اللغات، وإستحضار المتخيل الالغائي/ الديني، تعتبر من أهم المؤشرات المانعة للشراكة الغائبة في قلب القارة السوداء، أقله منذ بداية الحرب الأهلية بين عامي 1983 _ 2002 وما تلاها من توقيع اتفاقية السلام نيفاشا عام 2005 التي لم توقف التحارب البارد لأسباب اجتماعية، وسياسية، أوصلت السودان الى قمة التدويل بعد أن صدر بحقه العديد من القرارات عن مجلس الأمن.
واقعياً لم تقدم اتفاقية السلام نيفاشا، حلاً نهائياً للمسألة السودانية، وهنا يستعرض الكاتب جولات المفاوضات الصعبة بين حزب المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية، ويشير الى أن أهم نقاط الخلاف بين المتحاورين تمثلت حول بعض القضايا الدينية، حيث تمّ الاتفاق لاحقاً على احترام الخصوصيات الاثنية والقومية لكل مكونات المجتمع السوداني.
الى ذلك يحدد الكاتب أهم الآليات التي من شأنها تفعيل الاندماج الاجتماعي بين الجنوب والشمال، بهدف تفعيل التثاقف، عبر تشجيع التزاوج المشترك، وتعزيز التعايش الديني، وإلغاء الخطاب السياسي السلبي، وإذا لم يحدث ذلك، فالسودان مرشحة الى الدخول في دائرة الفوضى، وبذلك لا يعود لاتفاقية نيفاشا أي فعالية، وتسقط كما سقطت اتفاقية أديس أبابا التي أوقفت الحرب لمدة عشر سنوات ثم اندلعت بعد تمرد الحركة الشعبية.
إن البانوراما التاريخية للمشهد السوداني بدءاً من تراجع النفوذ البريطاني/ المصري، مروراً بثورة أيار التي قادها جعفر النميري عام 1969، وصولاً الى الانقلابات المتتالية واتفاقات السلام الهشة، لم تفضِ الى تثبيت دعائم الدولة بل عمَّقت الجرح بين الشمال والجنوب، وصعدت الدعوات الى الانفصال؛ يبقى أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تفلح في بناء خطاب سياسي قادر على هدم الانقسام، بل قامت بإستغلال التذابح الديني بهدف تنفيذ مشروعاتها وإن كان على حساب تذرير القوميات وإتساع رقعة العنف والعنف المضاد.
[ الكتاب: مسألة الجنوب ومهدِّدات الوحدة في السودان
[ الكاتب: عبده مختار موسى
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009
المستقبل




















