يمثل إقرار لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لتقرير القاضي جولدستون الذي يوثق الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان أثناء العدوان على قطاع غزة نصرا سياسيا وأخلاقيا مهما للحق الفلسطيني وللمبدأ الاساسي في العدالة الدولية وهو تحديد ومعاقبة المسؤولين عن جرائم الحرب بدون تسييس ولا معايير مزدوجة. هذا الإنجاز السياسي يحتاج الآن إلى جهد كبير للبناء عليه واستثماره في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين من جهة ما وتوثيق كافة الانتهاكات الحالية والتي ستحدث مستقبلا واستمرار التعاون ما بين المؤسسات الفلسطينية والدولية في مجال حماية حقوق الإنسان. التقرير سيمر الآن في بعض المراحل من المتابعة والطلب من إسرائيل التحقيق بما ورد فيه وعلى الأغلب فإنها سوف ترفض ذلك مما يعني وصول القضية إلى مستوى طرح إقرار التقرير في المحكمة الجنائية الدولية حيث يبدو الفيتو الأميركي شبه مؤكد وهو قرار سوف يضرب مصداقية أيّ توجه أميركي جديد نحو المنطقة يحمل قيم العدالة والالتزام بالقانون الدولي.
من المهم أن تكون جهود الوفود الفلسطينية والعربية ووفود الدول الصديقة خاصة في كتلة دول عدم الإنحياز مستمرة في متابعة مسار التقرير سياسيا وإعلاميا وجنائيا ومواجهة الضغوط الإسرائيلية والتي مورست بشكل كبير ضد الدول الأعضاء في لجنة حقوق الإنسان وخاصة بريطانيا وإسبانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى تعرضت للضغط من أجل الرفض ولكنها اتخذت قرارا بالامتناع عن التصويت وهو ما يعتبر حياديا من جهة وإيجابيا من ناحية نسبية تجاه الحقوق الفلسطينية.
النجاح الفلسطيني والعربي في اعتماد التقرير ساهم أيضا في نزع فتيل أزمة سياسية داخلية كانت لها تداعيات سلبية كثيرة على الموقف السياسي الفلسطيني وهي مناسبة لإعادة تقييم الطريقة التي تمت بها إدارة ملف تقرير جولدستون في الأمم المتحدة والتأكيد على وجود الحرص التام على الالتزام المستمر بمصالح وحقوق الشعب الفلسطيني في كافة المحافل الدولية وعدم التهاون أو التساهل لأية اعتبارات سياسية لأن مصداقية القضية الفلسطينية عالميا تعتمد بشكل أساسي على مصداقية التمثيل السياسي لها من قبل السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليا والتي تتحمل مسؤولية تاريخية في العمل على تحقيق هدف الدولة الفلسطينية.
بعكس الادعاءات الإسرائيلية فإن اعتماد التقرير قد تكون له آثار ايجابية على المسار السلمي من عدة جوانب. بداية فإن هذا القرار يستعيد جزءا ولو بسيطا من الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على إدانة إسرائيل ولو أخلاقيا وسياسيا وهذا توجه في غاية الأهمية كان السبب الرئيس وراءه تعنت الحكومة الإسرائيلية والجهد الدبلوماسي العربي والدولي المتميز والذي يجب استثمار الزخم الذي حققه في الأسابيع القادمة. بالإضافة إلى ذلك فان تجاوز الأزمة العاصفة التي تسبب بها تأجيل التصويت على التقرير في المرة الأولى سيكون مساعدا على الوصول إلى تفاهم نسبي بين حماس والسلطة الفلسطينية لمصلحة الشعب الفلسطيني. أما السبب الثالث فهو أن التصويت الأميركي المتوقع بالفيتو على التقرير في مجلس الأمن ينبغي أن يكون متوازنا مع الضغط على إسرائيل لإيجاد حلول لقضايا أخرى مثل الاستيطان والاعتداء على القدس ، إذ يجب أن تكون هناك على الأقل صفقة سياسية مؤثرة لإنقاذ إسرائيل من المحكمة الجنائية.
الآن هي فرصة لاستعادة الزخم الدبلوماسي وقد بدأ جلالة الملك عبد الله الثاني فعليا بالعمل الدؤوب والسريع لإعادة القضية الفلسطينية إلى المسار السياسي العالمي حيث جاء اجتماع جلالته يوم أمس مع رئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو جوهريا في إعادة التأكيد على الموقف الأردني من العملية السياسية وخاصة حماية القدس وهي خط أحمر لدى القيادة الهاشمية ، ووضع أسس للتنسيق القادم والمستمر بين القيادة الأردنية وإسبانيا بصفتها الرئيس القادم للاتحاد الأوروبي حيث سوف يستمر الدور الأردني الحيوي في تقديم كافة اشكال الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني والتنموي إلى الشعب الفلسطيني في جهوده الجبارة لبناء أسس الدولة الفلسطينية.
الدستور




















