صحيح أن مجلس حقوق الإنسان بجنيف صدّق على تقرير غولدستون، وهذا أمر مهم، لكن من استمع إلى السجال الذي دار في المجلس حول التقرير لا بدّ أنه صدم بالتسويغات والذرائع التي أطلقها رافضو التقرير وكذلك المطالبون بعدم احالته إلى مجلس الأمن الدولي، لكي لا تدان إسرائيل على جرائمها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني، وطي القضية المطروحة في التقرير وكأن شيئاً لم يكن، ولهذا لا بدّ من تسجيل النقاط التالية:
أولاً: لقد تأكد للمرة الألف أن المعايير المزدوجة لا تزال سمة السياسة الغربية عندما يتعلق الأمر بالحقوق العربية، وعليه فإن مبادئ حقوق الإنسان والقوانين والقرارات صالحة إلا إذا كانت تستهدف إسرائيل.
ثانياً: وعلى طريقة (قتل امرئ في غابة، جريمة لا تغتفر.. وقتل شعب آمن، مسألة فيها نظر..) هكذا هي غيرية قوى الغرب على شعب فلسطين وعلى أطفال غزة الذين صهر أجسادهم الغضة الفوسفور الأبيض وقذائف الطائرات والدبابات التي دمرت بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم وحتى مدارس ومراكز (الاونروا) التي اطلع عليها الأمين العام للامم المتحدة بنفسه!.
ثالثاً: إن مداخلة المندوب الأميركي في المجلس، أكدت أن السياسة الأميركية إزاء القضايا العربية لا تزال كما هي، وأن الوعود التي أطلقها الرئيس أوباما في مستهل عهده حول حقوق الإنسان وحل قضايا المنطقة واعتماد المعايير الأخلاقية والقانونية في قضية الشعب الفلسطيني، قد تلاشت كلها، وعاد الموقف الأميركي إلى سابق عهده في مسايرة إسرائيل والتغطية على جرائمها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني، وليتأكد من جديد، أن أي إدانة لإسرائيل ستكون مرفوضة أميركياً، وهذا ما كان تجاه تقرير غولدستون الذي تذرعوا بأنه غير متوازن!.
رابعاً: صحيح أن التصويت على التقرير قد تم بأغلبية 25 صوتاً من أعضاء المجلس واعتراض ستة وامتناع أحد عشر عن التصويت، إلا أن تأجيل مناقشة التقرير والتصويت عليه الذي تم بطلب من السلطة الفلسطينية، قد أضعف الزخم الذي رافق الجلسة المؤجلة، التي كان من المتوقع أن يرتفع عدد المصوتين فيها إلى 34، وهذا يعني إضاعة فرصة أقوى من تلك التي شهدناها يوم أمس.
خامساً: ثمة تساؤل كبير يقول: ما علاقة إحالة تقرير غولدستون إلى مجلس الأمن بالتأثير سلباً على عملية السلام؟ هذا السؤال سيبقى برسم الإدارة الأميركية التي رفضت التقرير وتذرعت مجدداً بحرصها على إقامة السلام في المنطقة.
أخيراً.. من المهم جداً أن تظل قضية مساءلة إسرائيل ومحاكمتها على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، الشغل الشاغل للعرب الذين يُفترض أن يرتقي موقفهم وعملهم المشترك إلى مستوى التحديات ولتظل القضية الفلسطينية حاضرة على الدوام أمام المجتمع الدولي، وألا يكتفوا بهذا الانتصار المعنوي الذي تم في جنيف على الرغم من أهميته.
تشرين السورية




















