أذكر أن السيدة النمسوية التي قدّمت للتقرير الدولي بشأن الجرائم بالبوسنة والهرسك، قالت ان هناك اجماعاً على المستوى العالمي لا يضاهيه أي اجماع آخر: معارضة المحاسبة على الجرائم السياسية، رغم اعلان سائر الأطراف، ـ وبخاصة الدول الكبرى الغربية بمجلس الأمن ـ خلاف ذلك. لكن ما عرف بالمذبحة الأرمنية مثّل مشكلة حقيقية لتركيا على مدى تاريخها المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية. الأرمن يقولون ان هناك سلسلة من المذابح منذ تسعينات القرن التاسع عشر، والى أن بلغت ذروتها أثناء الحرب العالمية الأولى ويعترف بحصول تهجير أثناء الحرب، لكنه يقول انه حصل بسبب الحرب والفوضى التي أحدثتها. وعندما كان الجدل يشتد فإن المسؤولين الأتراك كانوا يقولون. لقد حصل، وهو ليس كبيراً، في العهد السابق (نظام الخلافة) ونحن لسنا مسؤولين عنه!.
لكن اذا لم يكن النظام الأتاتوركي مسؤولاً بالدرجة الأولى عن المشكلة الأرمنية، فهو مسؤول ولا شك عن المشكلة الكردية. ويشارك في المسؤولية عما وقع من نزاعات على الحدود في آسيا الوسطى والقوقاز بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وهي المنطقة التي تغص بالإثنيات التركية المختلفة. وبالاضافة الى ذلك وقبله هناك المشكلة القبرصية المستمرة منذ مطلع السبعينات، ولا يزال هناك عسكر تركي بشمال الجزيرة حتى الآن، في حين دخل جزؤها الآخر في الاتحاد الأوروبي! ويتحجج الأوروبيون بهذه المشكلات، وقضايا مشابهة للحيلولة دون ادخال تركيا، البلد الاسلامي الكبير، في الاتحاد ـ والذي بدأت المفاوضات الثنائية مع تركيا عليه (عندما كان اسمه: السوق الأوروبية المشتركة) منذ العام 1965).
لقد قام في تركيا بعد الحرب الأولى نظام متشدد، يلفت نظر الغربيين فيه تشدده القومي ـ ويلفت نظر العرب والمسلمين تشدده العلماني. واذا كانت بعض مشكلات النظام الخارجية سببها التشدد القومي، فإن مشكلاته الداخلية، يتداخل فيها القومي بالديني وعلى سبيل المثال فإن المشكلة الكردية (عدد الأكراد بداخل تركيا حوالي 12 مليوناً) هي مشكلة اثنية وقومية، في حين ان مشكلة الحجاب هي قضية اسلامية، وتتداخل القصتان في مسألة "الحريات" الشخصية والثقافية والسياسية.
في ضوء هذا كله، يبدو ما قامت به حكومة أردوغان وما تقوم به رائعاً بل عجائبياً.! اذ هي تتصدى لحل مشكلات شبه مستعصية، نتيجة التجاهل والاهمال والتشدد، وبخاصة الاستغلال في الحرب الباردة وما بعدها. فالاتفاق الذي وقعته مع أرمينيا لفتح الحدود بين الدولتين هو اتفاق تاريخي. وهو اتفاق تحتاج اليه أرمينيا أكثر الآن، لكنه انتصار معنوي للأتراك لأنه يخلصهم من اتهامات المذابح والماضي الأسود. ثم انه يجعلهم "سادة" لدى كل الأطراف في آسيا الوسطى والقوقاز وصولاً للبحر الاسود. ففي كل تلك المنطقة الشاسعة والتي تمتد من ناحية أخرى الى الصين، وتتداخل مع مناطق النوفذ الصيني والروسي، عندهم شركاء من الاثنيات، التركية يحتاجون الى نفوذ تركيا والى نهوضها والى وساطتها في النزاعات في ما بينهم، ومع دول المحيط الكبرى.
بيد ان لدى تركيا مشاكل أخرى كبيرة، كما سبق القول. فالولايات المتحدة التي نجحت وساطتها بين تركيا وأرمينيا، لم تنجح في الوساطة لا هي ولا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بين القبارصة الأتراك، والقبارصة اليونانيين. وقد حسم الأوروبيون أمرهم لصالح القبارصة اليونانيين، واعتبروهم ـ وهم الأكثرية ـ ممثلين للدولة القبرصية، وضموّهم الى جانب مالطة ـ بالبحر المتوسط ـ للاتحاد الأوروبي. وقد قدم الأتراك ـ والحق يقال ـ في قبرص تنازلات أكبر بكثير لما قدموه في المشكلة الأرمينية. وذلك عندما وافقوا على الحل الذي عرضته الأمم المتحدة، وأجروا عليه استفتاء ايجابياً في قبرص التركية. ورفض القبارصة اليونان الحل الأممي، وكوفئوا ـ رغم ذلك أو سبب ذلك! ـ بالدخول الى الاتحاد الأوروبي. والذي أظنه ان الأميركيين سوف يتابعون مساعيهم لاعادة توحيد قبرص، وسيضطر الأوروبيون للموافقة تعويضاً لتركيا عن عرقلة ادخالها للاتحاد الأوروبي.
وتبقى المشكلة الكردية بالنسبة لتركيا هي المشكلة الرئيسية المتخلفة من حقبة الجمهورية الأتاتوركية. فالأكراد يبلغ عددهم حوالي الـ15% من المواطنين بتركيا. ورغم انتشارهم الكبير، فإن كثرة منهم تقيم في منطقة واحدة. وقد طال أمد النزاع، اذ ان تمرد "الشيخ سعيد" جرى عام 1924. وقد حصل أقرانهم بالعراق على كيان ذاتي الآن، تنطلق منه معظم التحركات ضد الجيش التركي. وهناك حركة قوية للأكراد بإيران، لكنها مقموعة.
وقد تعاون الايرانيون والأتراك حتى الآن في مكافحة الميول الاستقلالية الكردية داخل البلدين وفي العراق ايضاً. بيد ان المشكلة الكردية تبقى مشكلة داخلية بالدرجة الأولى. وما تردد أردوغان في التصدي لها رغم حساسيتها الشديدة. اذ لا يمر أسبوع أو أسبوعان الا وتحدث هجمات دموية في الأقاليم ذات الكثرة الكردية في شرق تركيا. اعترفت حكومة أردوغان بالحقوق الثقافية اللغوية والتربوية للأكراد. وعندهم اليوم كتلة صغيرة بالبرلمان. وهم يسمون أكراداً في وسائل الاعلام وفي الخطابات الحكومية للمرة الأولى انما تبدو مسألة الحكم الذاتي أو الفيدرالية صعبة جداً، وليس في الوعي القومي التركي وحسب، بل وفي وعي اسلاميي أربكان وأردوغان الجدد.
لكن أحمد داوود أوغلو، الذي صرّح قبل ايام من حلب بأن هدف السياسة الخارجية التركية أن يكون خصومها في المنطقة والعالم عددهم: صفر(!)، يقول أيضاً انه لا شيء يستعصي على السياسة والتفاوض والديموقراطية. وشاهده على ذلك، ليس كيف زالت المشكلات بين تركيا من جهة وأرمينيا من جهة ثانية فقط، بل والاتفاق الاستراتيجي بين تركيا وسوريا، بعد أن كانت بين البلدين عدة أسباب للنزاع: الأقاليم السورية التي ضمتها تركيا عام 1937، والخلاف على مياه الفرات وأنصبة سوريا والعراق منها، ودعم سوريا لحزب العمال الكردستاني ضد الحكومة التركية.
في العام 1920، بدأت المحادثات بين الأتراك والفرنسيين الذين كانوا قد صاروا قوة منتدبة في سوريا ولبنان ـ على منطقة الاسكندرون، وكان الجنرال الفرنسي غورو يفضّل اعطاءها لتركيا، بينما اعترضت غرف التجارة الفرنسية للتأثيرات المستقبلية على مصالح فرنسا، وعلى العلاقة بالعرب. ورد عليهم الجنرال غورو منشئ "لبنان الكبير": الأتراك جدّيون، والعرب ليسوا كذلك. ولذا فلنذهب باتجاه تركيا للتمكن من حكم سوريا، ومنافسة بريطانيا! فالرهان يبقى اذن على الجدية التركية لحل مشكلات النظام الأتاتوركي التاريخية!.
المستقبل




















