أثارت القمة الأخيرة بين الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تساؤلات عن نتائجها، لا سيما في ما يتعلق بدورها في تسهيل تأليف الحكومة اللبنانية. وأعطت دمشق هذه القمة بعداً أكثر مما كانت تطمح اليه بعدما قرر الملك اختصار الزيارة والبقاء في دمشق فقط.
غير ان الطرفين أكدا، على رغم الاختلاف في التعبير، وصدور بيانين سوري وسعودي (وهذا ان دل على شيء فعلى على عدم توافق) دعمهما لتأليف حكومة لبنانية في أسرع وقت، وحضا حلفاءها على العمل من اجل ذلك. فالعاهل السعودي أراد من خلال زيارته دمشق الحصول من الرئيس السوري على إشارة واضحة يشجع فيها حلفاء سوريا على ازالة العقد من طريق تأليف الحكومة.
غير ان المهم في هذه الزيارة هو أنها حصلت لان السلطات السورية والسعودية كانت تود تبديد أجواء الحذر وعدم الثقة التي كانت تشوب علاقات البلدين.
وتأتي هذه الزيارة لتصب في اطار رغبة سورية برزت في المدة الاخيرة وتتمثل في الانفتاح على الأسرة الدولية، يقابله انفتاح من المجموعة الدولية عليها، وتوقيع اتفاق الشركة مع الاتحاد الأوروبي خير دليل على ذلك. بيد ان الولايات المتحدة، وعلى رغم إعادة التواصل الديبلوماسي مع دمشق، ترفض حتى الآن "تطبيع" علاقاتها مع سوريا، وثمة ملفات عدة تعكر العلاقات، بدءاً بالملف العراقي وصولا إلى الملف اللبناني مرورا بالملف الفلسطيني والعلاقة مع إيران و"حزب الله"… وواشنطن غير مطمئنة إلى دور إقليمي سوري ايجابي، بل إنها لا تزال تعتبر ان دور سوريا في الكثير من الملفات لايزال سلبيا، وهي في انتظار تحوله ايجابياً قبل التوصل الى "تطبيع" للعلاقات، فضلاً عن ان واشنطن ترفض المطامع السورية وفرض دمشق هيمنتها ووصايتها على لبنان من جديد. وفي هذا السياق لا يمكن التغاضي عن دور سوريا في لبنان والمحكمة الخاصة التي تنظر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولم تبدأ أعمالها بعد.
غير ان الملك عبد الله الذي وضع الملفات الخلافية جانبا أراد من خلال زيارته تسجيل انفتاح عربي على دمشق، وهذا ما يشكل المعنى الحقيقي للزيارة، كما انه أراد تقاربا من اجل تعزيز التضامن العربي ووقف سلبية المحور السوري – الإيراني وتعزيز العلاقات السعودية – السورية – المصرية على أساس الاتفاق على صيغة عربية موحدة لمواجهة التحديات الإسرائيلية ودعم جهود مصر من اجل تحقيق المصالحة الفلسطينية، لتعزيز الموقف العربي التفاوضي وتسوية الوضع على الساحة الفلسطينية. ولا يمكن حتى الآن، ونظراً الى نتائج القمة، الحديث عن انطلاقة جديدة لعلاقات سعودية – سورية إذ لايزال يشوبها الحذر. ولم يترجم أي شيء ملموس حتى الآن من نتائج هذه القمة لا في لبنان ولا في المنطقة. والملك السعودي في انتظار رد على مبادرته وخطوة سورية تعبر عن تبدل في مواقفها.
فالرياض تدرك ان دمشق تبالغ في دورها على الساحة اللبنانية، وعلى رغم العلاقات الوطيدة بين المعارضة اللبنانية والسلطات السورية لم تعد دمشق تتحكم بكل مقابض السياسة اللبنانية، ذلك ان قوى إقليمية أخرى تشاطرها "المونة" على المعارضة. كما ان الفريق المعارض الذي يتزعمه العماد ميشال عون لديه مصالح وأجندة داخلية لا تتطابق مع المصالح والأجندة السورية، علما ان جميع الافرقاء على الساحة اللبنانية يريدون ان تضطلع دمشق بدور ايجابي وعدم حصول أي انهيار في الاستقرار والأوضاع الأمنية. حتى ان رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عندما قرر قبول تكليفه تأليف الحكومة الجديدة كان على يقين بان عليه قيام علاقات ندية مع سوريا.
وفي هذا السياق، لا يمكن توقع حلحلة في شأن تأليف حكومة جديدة من دمشق على رغم انها تضطلع بدور وتقوم بجهود في هذا السياق مع حلفائها الإقليميين الذين لديهم اجندة خاصة ومصالح لا تتطالبق والأجندة السورية، وهم لا يبدون على عجلة في إخراج الحكومة من عنق الزجاجة.
غير ان دمشق عادت من خلال زيارة العاهل السعودي لاعبا إقليميا أساسيا في انتظار المصالحة مع مصر. وهذا الانفتاح السوري، عربياً وغربياً، سيشجعها على التعاون مع السعودية ومع حلفائها الأوروبيين وحتى الولايات المتحدة في ملفات إقليمية وبينها لبنان. وتنتظر الأسرة الدولية من دمشق بعد تبادل السفراء مع لبنان واعترافها ضمناً بالسيادة اللبنانية خطابا رسميا يؤكد عدم التدخل في شؤونه الداخلية واحترام سيادته واستقلاله، والقيام بوساطة لا أكثر في اتجاه المساعدة على التوصل الى تأليف حكومة بعدما كان مطلوبا منها عدم التدخل بتاتا في الشؤون اللبنانية.
ويمكن القول ان دمشق سجلت من خلال زيارة الملك عبدالله انتصارا سياسيا وإيديولوجيا، فتمكنت على رغم العزلة التي واجهتها خلال السنين الأخيرة من المحافظة على نظامها وعلى شعاراتها.
بيد أن تعثر تأليف حكومة في لبنان يظهر ان زخم القمة ونتائجها لم تكن كافية ولم تؤد إلى حل الملف اللبناني، ومن الصعب ان يحصل ذلك في المدى المنظور لغياب عوامل مؤثرة وضاغطة، في انتظار ان تحدد إيران موقفها من الوضع في لبنان في ضوء نتائج المحادثات المقبلة حول ملفها النووي. والورقة اللبنانية طبعا ورقة مساومة في التفاوض. وهذا سينعكس بدوره على مسار الخطوات السورية نحو "التطبيع"، سواء مع العرب أم مع الأسرة الدولية.
باريس – من سمير تويني
"النهار"




















