تجتمع اليوم في دمشق اللجنة المشتركة الأردنية – السورية العليا برئاسة رئيسي وزراء البلدين، لتوقيع عشر اتفاقات تؤطر التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والتخطيط والتعليم والثقافة وإقامة المعارض، الامر الذي يؤكد دفء العلاقات وتمايزها بين الجانبين. فهل هي كذلك فعلاً؟
التصريحات الرسمية لا تعطي صورة واضحة لطبيعة العلاقات غير الجانب الإيجابي سوى أنها صحيحة وواقعية، إذا ما اقتصر الحديث على محور العلاقات الثنائية، هي ان العلاقات بين القيادتين تجاوز ذلك إلى وصفها بالحميمة والشخصية، ومنذ زمن غير قصير.
يدرك الأردن جيدا أهمية سوريا الاستراتيجية بالنسبة إليه، إذ يراها عمقا استراتيجيا مهما له، خصوصا بعد سقوط العراق رهينة الاحتلال الأميركي، وزوال النظام السابق الذي كانت عمان تتكىء عليه تاريخيا، ليس اقتصاديا فحسب بل عسكريا خلال حروبه التي خاضها مع اسرائيل. لذلك يحرص الأردن على أن تكون العلاقات مع سوريا "متميزة" دوما، وعلى درجة عالية من التنسيق ثنائيا وإقليميا، وعلى تجاوز أي عراقيل تعترضها. وهو في العقد الأخير يعتمد على العلاقة الشخصية التي تربط العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين بالرئيس السوري بشار الأسد في حل معظم المسائل العالقة بينهما.
وتتنامى العلاقات الاقتصادية بين البلدين على نحو "يلقى ارتياحا من الحكومتين" استناداً الى مصدر حكومي. وبلغت صادرات الأردن الى سوريا في الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية نحو 150 مليون دولار، بينما بلغت وارداته منها نحو 190 مليونا، أي أن الميزان التجاري بين البلدين يميل لمصلحة سوريا.
الحدود والمياه
وفي ما عدا ملفي ترسيم الحدود والمياه، ليس ثمة خلافات جوهرية بين البلدين على الصعيد الثنائي، بل يمكن القول إن التنسيق والتفاهم في بقية الملفات يسير على أكمل وجه.
ففي ملف الحدود الذي يراوح مكانه، اتفق الجانبان على تأجيل البحث فيه وعدم إدراجه في جدول أعمال اجتماعات اليوم، على ان تؤلف لجنة فنية لاحقا لمناقشته.
أما المياه، فيشكو الأردن من إقامة السوريين سدودا تحد من تزويد سد الوحدة المياه. كما يشكو من الزراعات المخالفة في أعلى "سد الوحدة" على رغم تعهّد الجانب السوري ازالتها. كما تستمر الزراعات السورية المخالفة والموجودة أسفل السد بسحب المياه مباشرة من النهر وري الأراضي الزراعية بها.
ولعل هذا السبب الرئيسي لإرجاء اجتماعات اللجنة العليا مرتين، والأخيرة بسبب وعكة ألمت برئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري، بينما تلا تأجيل الأولى زيارة خاصة وعائلية قام بها عبدالله الثاني وزوجته الملكة رانيا لدمشق في رمضان الماضي، وحل فيها ضيفا على الرئيس الأسد وزوجته اسماء. وكان من نتائج هذه الزيارة "أن بعض بنود محضر اجتماع لجنة المياه المشتركة نفذ فورا من الجانب السوري"، كما اكد رئيس الجانب الأردني للجنة المهندس موسى ضافي الجمعاني قبل أسبوع.
تأثيرات إقليمية
أما حين يتصل الأمر بالعلاقات الاقليمية، فالصورة تتغير وفقا لمحددات يدخل فيها التحالف السوري – الإيراني وتأثيراته على توازنات القوى في المنطقة بين إيران والسعودية، وموقف الأخيرة من الأوضاع في لبنان والعراق، وهو ما يرسم حدود علاقة عمان الاستراتيجية بالرياض، خصوصا في الجانب الاقتصادي.
وعلى رغم حرص الأردن الدائم على عدم جعل الخلافات السورية – السعودية عائقا أمام ديمومة العلاقات "الجيدة" مع كلا البلدين، إلا أنه كان يضطر أحيانا إلى اتخاذ مواقف مؤيدة لسياسات الرياض وليست في صالح دمشق (كما جرى في أزمة المؤتمرات عقب العدوان الإسرائيلي على غزة)، علماً أنه كان يراهن كثيرا على تفهم الجانب السوري لحرجة موقفه من خلال اتصالات "غير معلنة" لشرح أسباب اتخاذه مثل هذه المواقف، وحرصه الشديد على إبقاء العلاقات دافئة بصرف النظر عن هذه المواقف.
ولعل ذلك كان السبب في اتخاذ عمان زمام المبادرة مرات كثيرة لترطيب العلاقات بين الرياض ودمشق وكسر الجليد بينهما ليضمن استمرار علاقته مع الجانبين، وقد نجح في بعض هذه المحاولات وفشل في أخرى.
إسرائيل والسلام
وفي ما يتعلق بعملية السلام، فليس سرا أن سوريا (الممانعة) والأردن (المعتدل) يختلفان كثيرا في وجهات النظر منذ مؤتمر مدريد 1992. ويرى محللون أن البلدين لا يختلفان في استراتيجية السلام، خصوصا أن كليهما متفقان مع المبادرة العربية للسلام، لكنهما يختلفان في التكتيك ووسائل إدارة الأزمة مع تل أبيب. ويلفتون إلى أن الموقف الأردني التصعيدي في الفترة الأخيرة ضد حكومة اليمين الإسرائيلي المتشدد، قرّب بين عمان ودمشق كثيرا.
وارتبط بهذا الملف مباشرة موقف الولايات المتحدة المتشدد حيال سوريا، خصوصا خلال فترتي حكم الرئيس الأميركي الجمهوري السابق جورج بوش.
وهذه العلاقة كان لها تأثير كبير على علاقة سوريا بالأردن، الذي لطالما قاد جهود وساطة بين الطرفين، ليغلق الباب على مخططات الإسرائيليين لتصفية القضية الفلسطينية والضغط على لبنان، مستغلا سوء علاقة السوريين مع البيت الأبيض.
وكان الأردن في أوقات كثيرة يضيق ذرعا من التهرب السوري من التقارب مع واشنطن، المرتبط بطبيعة علاقات الأخيرة بطهران وتجاذباتها.
وساعد تحسن العلاقات السورية – الأميركية، وتخفيف اللهجة الأميركية حيال طهران منذ مجيء الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض، في إحداث تفاهم أكبر بين عمان ودمشق حيال الملفات الرئيسية في المنطقة، وخصوصا القضية الفلسطينية والملف العراقي.
بيد أن التحسن الأكبر ظهر نتيجة الانفراج الأخير اللافت في العلاقات بين الرياض ودمشق نتيجة تدخل تركيا.
العلاقة مع "حماس"
تبقى علاقة الأردن مع حركة المقاومة الاسلامية "حماس" التي تلتف بعباءتي سوريا وإيران، هاجسا يقض مضاجع الأردنيين، وملفا شائكا في العلاقات مع دمشق. وتزايد هذا الهاجس في السنتين الأخيرتين، لطبيعة العلاقات التنظيمية بين "حماس" وجماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن التي ينتمي صقورها المسيطرون عليها لقيادة "حماس" في دمشق.
ويلخص مراقب سياسي هذا الإشكال بالقول: "بينما يخشى الأردن سيطرة إسرائيل على حركة فتح وما يحدثه هذا الامر من تهديد للأمن الوطني الأردني لجهة مخططات اليمين الإسرائيلي في ما يسمى الوطن البديل أو الخيار الأردني، يخشى كذلك أن تصير جماعة الإخوان المسلمين الممتدة بقوة في الشارع الأردني، والتي ربطتها تاريخيا علاقة جيدة مع النظام، تابعة لسوريا، ولايران، وذراعا لهما على الأرض الأردنية عبر سيطرة قيادة حماس على قرار الجماعة".
وفي ما عدا هذا الهاجس، يرى كثيرون أن العلاقات بين البلدين تشوبها اختلافات فحسب، فإلى أي مدى يمكن أن تحولها علاقة دمشق، ومن ورائها طهران، بـ"حماس"، إلى خلافات؟
عمان- من عمر عساف
"النهار"




















