عبدالله اسكندر
بدأت القوات الباكستانية حملة جديدة على منطقة وزيرستان القبلية، بعد أولى على وادي سوات. وفي الحالين استهدفت معاقل حركة «طالبان باكستان»، بعدما وصل مقاتلوها الى مشارف العاصمة إسلام آباد، وبعدما تبنت المسؤولية عن عدد كبير من التفجيرات الدامية في مدن عدة عبر البلاد، واغتيالات ومحاولات اغتيال لشخصيات مدنية وعسكرية.
وبين الحملتين لم تتوقف التفجيرات الانتحارية التي استهدفت مقار عسكرية وأمنية ومدنية. ما يظهر ان الحملة على سوات لم تضعف الحركة ولم تمنعها من الاستمرار في تحدي السلطات وإنزال خسائر في صفوفها، اضافة الى المدنيين العابرين صدفة قرب امكنة التفجير.
وفي الحملتين، اعتمدت القوات النظامية تكتيك الارض المحروقة. اي اللجوء الى القصف البري والجوي والضربات الاستباقية. وقد يكون بعض هذه الضربات ادى غرضه، لكن النتيجة الفعلية هو ان الجسم الاساسي للمتمردين لم يزل على حاله، على رغم مقتل زعيمهم بيت الله محسود وما أعقب ذلك من خلافات داخلية وصلت الى التقاتل. والجانب الآخر من النتيجة هو ان المدنيين في المناطق المستهدفة في الحملات هم الذين يدفعون الثمن الاكبر. فهم يخسرون املاكهم ويهجرون منازلهم الى مخيمات بائسة للاجئين، بعدما قضى منهم من قضى بفعل المعارك.
ومن غير المتوقع ان تكون نتائج الحملة الحالية على وزيرستان مختلفة كثيراً عن تلك التي استهدفت وادي سوات: لن تتمكن القوات الحكومية من انهاء ظاهرة «طالبان باكستان»، لا بل قد تزداد هذه الحركة قوة، فيما سيكون المدنيون هم ضحايا المواجهات، تهجيراً وقتلاً.
والسبب في هذه الخلاصة لهذا النوع من المواجهات هو انها تدور في مناطق جبلية وعرة ومفتوحة على بلد مجاور، هو افغانستان، بحيث تلعب وحدة الايديولوجيا واواصر القربى دوراً كبيراً في حماية المتمردين.
في كلام آخر، اظهرت سياسة الارض المحروقة المستخدمة في افغانستان عجزها عن وضع حد للتمرد الاصولي في البلاد. وهي سياسة اظهرت عجزها ايضاً في اليمن حيث يدور القتال بين القوات النظامية و «الحوثيين» في مناطق ذات طبيعة جغرافية مماثلة، وحيث يبدو الكدنيون ضحيته الاولى.
ولا يصح في حال افغانستان واليمن، ما صح خلال تسعينات القرن الماضي في مصر والجزائر. ذلك ان طبيعة المواجهة بين الدولة المصرية والجماعات الاسلامية المتشددة كانت تدور في ارض منبسطة، لا يجد فيها المتمردون اي ملاذ من القوات الحكومية التي قتلت او قبضت على الكثيرين منهم، ولاذ الآخرون بالفرار خارج البلاد، ليلتقي معظمهم لاحقاً في افغانستان. في حين ان سياسة السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر اغرت كثيرين من المسلحين بالنزول من الجبال، ما حدّ من قدرة من رفضوا السلم على مواجهة عسكرية، فاكتفوا بتفجيرات ارهابية متى أتيح لهم ذلك. لكن بذور الارهاب ما تزال موجودة، في كل من مصر والجزائر، بدليل التفجيرات التي تقع بين وقت وآخر، وإن كانت محدودة.
وهذا يدفع الى التساؤل عن قدرة العمل العسكري وحده وسياسة الاستئصال والارض المحروقة في وضع حد للإرهاب، بأشكاله المختلفة، اذا لم يترادف ذلك مع سياسة تنموية واجتماعية وتعليمية وثقافية تتمكن من الوصول الى جذور البيئة الحاضنة له. والشرط الشارط لمثل هذه السياسة هو قيام الدولة الناجحة والحكم الرشيد. ما يعني في الظروف الحالية ان هذه المعركة لن تجد لها نهاية قريبة، خصوصاً ان الدول ما تزال تضع كل امكاناتها في استراتيجية الارض المحروقة من دون ان تعيد النظر في واقع كونها دولاً فاشلة تحارب الارهاب وتغذيه في آن.




















