شهدت مدينةُ مراكش المغربية، ما بين السابع والعشرين من أيلول والثاني من تشرين الأول 2009، انعقادَ المؤتمر العالمي السادس والعشرين للسكان، بحضور قرابة 2500 من المشاركين القادمين من 114 دولة. ومن الملاحظ أن الملتقى من الفرص الدولية المُمَيَّزة التي تجمع هذا الحشد من صناع القرار، والممارسين، والباحثين، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وممثلي المجتمع المدني، لتبادل الأفكار والخبرات ونتائج البحوث العلمية، وتخطيط استراتيجيات المستقبل. يُذكَر أن جميع المؤتمرات الدولية للسكان، نُظمت بإشراف "الاتحاد الدولي للدراسات العلمية حول السكان"، المُؤسَّس عام 1928، وبشراكة مع "الجمعية الدولية لعلم الاجتماع"، التي من أهدافها تشجيع البحوث والدراسات ذات العلاقة بالميدان الديموغرافي.
ليس ثمة شك أن الإشكاليات الديمغرافية التي قاربتها القمة الخامسة والعشرون المنعقِدة في مدينة "تور" الفرنسية عام 2005 لم تشهد تغيراً بارزاً مقارنة مع نظيراتها في مؤتمر مراكش (2009)، غير أن المحيط العالمي عَرف أحداثاُ نوعيةً خلال الأربع سنوات الفاصلة بين القمتين، لعل أبرزها الأزمة المالية العالمية، وتزايد خطورة التغيرات المناخية، وهما، في الواقع، مؤشران دَالاَّن على دقة الرهانات الجديدة التي وسِمت جدولَ أعمال المؤتمر السادس والعشرين للسكان، ونقاشاتِ خبرائه، والمشاركين في أشغاله. فمن المواضيع ذات الصلة بالعالم العربي ـ المُوزَّعة على محاضرات المؤتمر ومناشطه وورش العمل فيه ـ مسائل العِرق والدين، والانتقال الديمغرافي، وحركات السكان ومعدل الخصوبة، علاوة على الوضع المقلق لمستقبل السكان بأوروبا، وأحقية الأزواج في اختيار جنس أبنائهم، وأنواع العلاقات غير الرسمية والعائلة والصحة الإنجابية، بالإضافة إلى الهجرة الداخلية والإعمار والبيئة والعمل والفقر والدين والثقافة.
فمما أثارته الدراسات العلمية المقدمة في المؤتمر ازدياد منحنيات الشيخوخة وتوسع قاعدتها، حتى في المجتمعات التي كانت إلى وقت قريب مثالاً عن ارتفاع معدلات الخصوبة، كما هو حال البلاد المغاربية على سبيل المثال. لذلك، شددت أبحاث القمة على أن وتيرة الشيخوخة ستتضاعف، بإيقاعات مختلفة، في أفق 2020 لتصل ذروتهَا عام 2030. فاليابان قريبة اليوم من الخط الأحمر للشيخوخة، في حين يُنتظر أن تلجَ كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا هذه العتبة في حدود 2030، لتعقُبها مناطق تبدو نسب الخصوبة العالية مقلقةً في أوطانها الآن، كما هو حال إفريقيا جنوب الصحراء، وإلى حد ما جنوب آسيا والشرق الأوسط، التي بحسب توقعات "معهد فيينا للديمغرافيا"، وجامعة نيويورك، ستشهد بدايةَ الشيخوخة في بلدانها مع العُشرية الرابعة من الألفية الجديدة. تجدر الإشارة إلى أن تقهقرَ معدلات الخصوبة في العالم نجَمَ نتيجة تضافر عوامل متعددة، منها ما له صلة بالسياسات التخطيطية الوطنية (الحدّ من النسل، الرعاية الصحية، التحسن في شروط اندماج المرأة في العمل، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع درجة الوعي)، وأخرى ذات علاقة بالخطاب الدولي حول التنظيم الأسري والعائلي وصلته بتحقيق التنمية ودولة الرفاه. بيد أن الإشكاليات غير المفكر فيها، أو ربما غير المتوقعة، خلال مسيرة السعي من أجل ترشيد النسل والحدِّ من تبعاته، والتي بدت ضاغِطةً بكَلكَلهِا اليوم، تتعلق تحديداً بالتكلفة المالية والاجتماعية التي تنجُمُ عن تصاعد توسُّع قاعدة المسنين، غير القادرين، بحكم عامل الشيخوخة، على العمل والإنتاجية، والذين يمتصون من الصناديق الاحتياطية مبالغ مهمة لضمان رعايتهم الصحية، ناهيك عن وضع العجز الذي تعاني منه بلدانُهم في ميادين العَمالة، وإدراك الكفاية في الموارد البشرية بكل أصنافها، ودرجات مهارتها. فإذا كان العالم العربي بعيداً نسبياً عن الخط الأحمر للشيخوخة، مقارنةً مع غيره من المناطق، فإن ثمة وعياً متنامياً لخطورة التوقعات المستقبلية التي شددت عليها الأبحاث في هذا المجال. ففي دراسة "اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا" (الإسكوا) الموسومة "شيخوخة السكان في البلدان العربية" (2007)، تمَّ التنبيه إلى الاحتمالات التي ستواجهها المنطقة العربية في أفق نهاية النصف الأول من هذا القرن (2050)، كما شددت على العناوين الكبرى للاستراتيجيات التي من الواجب على واضعي السياسات العمومية الاهتمام بها لترشيد مخاطر الظاهرة على التنمية والاستقرار. فمن جهة، اعتبرت الشيخوخة في بدايتها، أي أن تراجع الخصوبة في البلاد العربية منحنى حديث، وليس ظاهرة قديمة، كما هو حال المنطقة الأوروبية على سبيل المثال، الأمر الذي يفسر النسبة المئوية للإِعالة في البلاد العربية ، التي لم تتجاوز الآن 5%، ويُتوقع وصولها 8% عام 2025، و13% سنة 2050، وهي في كل الأحوال أرقام أقل من المتوسط العالمي. غير أن الدراسة شددت، من جهة أخرى، على قيمة الخطط التي يرسمها الخبراء الدوليون وبيوت الخبرة ومراكز البحوث، والتي تُنشر نتائجها في القمم الدورية للسكان في العالم، وقد تمت الإحالة على "مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية" للعام 1994، وبرنامج العمل الذي صاغت بنوده "الجمعية العمومية الثانية للشيخوخة" في مدريد ربيع 2002. لذلك، رسمت دراسة الإسكوا "خطة العمل العربية للمسنين حتى عام 2012، وحصرت بنودَها في ثلاثة مجالات، هي: "التنمية في عالم آخِذ في الشيخوخة"، و"توفير الرفاه والصحة في سن الشيخوخة"، و"تهيئة بيئة تمكينية وداعِمة لجميع الأعمار". فهل اهتدت السياسات العمومية في البلاد العربية بهذه الدراسة وعشرات البحوث القطرية والجهوية في التحسيس بإشكالية الشيخوخة الزاحفة في منطقتنا؟. يبدو أن هناك إحساساً متنامياً بالظاهرة في خطابنا السياسي والاجتماعي العربي، لكن الأمر يحتاج إلى وعي مجتمعي، ويتطلب سياسات عمومية فعالة وناجعة لمواجهة المستقبل بالأفعال لا بالأقوال فحسب.
() استاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية، مراكش المغرب




















